تساءل ستيفان مــيرجينثالير، رئيس شبكات المعرفة والتحليل، المنتدى الاقتصادي العالمي، والمسؤول عن شبكة مجالس المستقبل العالمية، لماذا علينا إدارة الحاضر بـــــطريقة توائم المستقبل؟
وأجاب ميرجينثالير قائلاً: من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى تسعة مليارات شخص خلال العقدين القادمين، فهل سنتمكن من تسخير التكنولوجيا لإنتاج ما يكفي من الغذاء على نحو مستدام؟ وهل سنتمكن من خلق ما يكفي من فرص العمل للأجيال القادمة في الوقت الذي نعمل فيه على خلق اقتصادات أكثر شمولية؟ هل سيتطبّع مستقبلنا بالتعاون في حل التحديات العالمية الكبرى كتغير المناخ والانفتاح من حيث حرية حركة الأفراد والبضائع، أو أننا سوف نعيش في عالم يتسبب تفاقم التقدم التكنولوجي فيه في زيادة عدم المساواة والإقصاء؟
نرى ميلاً متزايداً في السلك السياسي في مختلف أنحاء العالم مفاده أن الحلّ الوحيد لمعالجة القضايا الملحة في الوقت الحاضر هو أن نعيد تطبيق الحلول التي استخدمناها في الماضي.
العودة إلى الماضي
في حين أن العودة إلى ماض مثالي يعتبر حلاً قوياً وبسيطاً، إلا أننا وبتطبيق هذا الحلّ نكون قد حكمنا على أنفسنا ومجتمعاتنا بالموت البطيء. ولتجنب هذا، نحن بحاجة لأن نتعلم كيف نعالج قضايانا بطريقة توائم المستقبل، وأن نغرس في أنفسنا رغبة قوية بالتقدم المتجذّر في تقييم ما هو سياسي واقتصادي وقابل للتحقيق من الناحية التكنولوجية، وفي الوقت نفسه مرغوب اجتماعياً.ولهذا النهج ثلاثة مبادئ أساسية: الأول هو أن تكون سباقاً في مواجهة التحديات على المدى الطويل: إن معظم أزمات ومشكلات عصرنا هذا - من عدم المساواة إلى تغير المناخ - هي نتيجة الحلول والاتجاهات طويلة الأمد التي طبقناها على مر الزمن.
وعلى الرغم من أننا قد نكون قد توقعنا هذه النتائج، إلا أننا غالباً فشلنا في التغلب على القصور الذاتي الذي يمنعنا من التصدي لها. وإن مواجهة تحدياتنا ومعالجة قضايانا بطريقة توائم المستقبل يتطلّب اعتماد عملية حوكمة نشطة تسمح باتخاذ قرارات سريعة ومشاركة فعالة.
قمة أبوظبي
وخلص المجلس المتخصص بالبرمجة والمجتمعات خلال قمة مجالس الأجندة العالمية التي نُظمت في العاصمة الإماراتية أبوظبي العام الماضي 2015 إلى نتيجة مفادها أنه لا بد للحوكمة من أن تتحول إلى نهج يعمل على تحقيق نتائج تستجيب للديناميكيات المتغيرة.
وبالتالي، لا بد لتنفيذ السياسات والوصول إلى النتائج المرجوّة منها من أن تتحقق من خلال تغييرات إضافية يتم اختبارها وقياسها للتأكد من فعاليتها عند تطويرها. وكما هو الحال في تطوير البرمجيات، فإنه يتعين على الحكومات أن تكون قادرة على اتخاذ القرارات بسرعة، ولا بد من التكرار والتعلم في العملية السياسية بدلاً من الإصابة بالشلل بسبب كثرة المطالب والمصالح المتنافسة. أما المبدأ الثاني فهو تبني التقارب: بُنيت غالبية مؤسساتنا السياسية في الماضي لتعالج قضية واحدة معزولة عن غيرها من القضايا.
إلا أن الأوضاع التي نعيشها اليوم ليست نتيجة لسبب واحد في معزل عن غيره. فالأسباب ذاتها تتشابك على نحو متزايد لينتج عنها مشكلات جديدة غير متوقعة، مثلاً ارتفاع أسعار الغذاء الناجم عن إدخال إعانات الوقود الحيوي. وسوف يتزايد هذا التشابك أكثر فأكثر كلّما داهمتنا الثورة الصناعية الرابعة، حيث إن هذا التسارع في التقارب يخلق تناقضاً كبيراً مع قدرتنا على الحكم.
الحلّ بحد تعبير مجلس الحكم العالمي هو تطبيق نهج «المجتمع المتكامل» والذي يتم تشكيله من خلال شراكات مختلقة ما بين مجموعات من أصحاب المصالح المختلقة. قد يبدو هذا الأمر غريباً بعض الشيء إلا أنه أصبح ضرورة في عصر الشبكات الذي نعيشه. ولهذا السبب فإن المنتدى الاقتصادي العالمي يعمل على تحقيق التعاون ما بين القطاعين العام والخاص من خلال سلسلة من الأنظمة المترابطة بدلاً من الحلول التقنية الفريدة.
أما المبدأ الثالث والأخير فهو التركيز على المدى الطويل: لن يتم حلّ كبرى التحديات التي تواجهنا اليوم بين عشية وضحاها، أو من قبل شخص واحد بنفسه، كظاهرة الاحتباس الحراري، والمفارقة الإنتاجية، وانعدام الأمن المائي. وهذا يتطلّب الصبر والعمل الجماعي، وعليه فعلى أصحاب المصلحة التعاون فيما بينهم، الأمر الذي لم يكن ليحدث في الماضي.
على عكس الاختزال الرجعي الذي نراه في الكثير من الحركات السياسية اليوم، فإننا بحاجة إلى شعور متجدد ذي نظرة شمولية تقدمية، كالقدرة على تحويل تركيز مجتمعاتنا على المشاركة في تشكيل وخلق المستقبل الذي نريد تحقيقه، وهذا بعينه هو السبب وراء إنشاء شبكة مجالس المستقبل العالمية الجديدة.
مهمة
أخذ مجلس القيم التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي والذي اجتمع في الإمارات العام الماضي على عاتقه هذه المهمة، وحدد ثلاث قيم مشتركة بين جميع الثقافات والأديان والفلسفات التي يمكن أن تستخدم كمعايير لهذا التعاون، حيث رأى أن: «كرامة الفرد، أياً كان عرقه أو جنسه أو خلفيته أو معتقداته هي من أهم أولوياته، إلا أن وجود مصلحة مشتركة يسمح للإنسان بالسمو على المصالح الفردية، وهذا هو الحال عند الحاجة لإنقاذ الكوكب».