لا تنفك التكنولوجيا تحدث المزيد من التغيرات في الحياة اليومية للبشر ومنها قطاع النقل الجوي الذي تكاد التكنولوجيا تكون قلبه النابض.
وتشير التقديرات إلى أن هناك 7.3 مليارات مسافر سيعبرون سنوياً عبر مختلف مطارات العالم بحلول العام 2034 وهذا يماثل عدد سكان العالم اليوم ويزيد بمقدار الضعف عن عدد المسافرين اليوم.
وبحلول ذلك العام سيصل عدد الطائرات التجارية في شركات الطيران إلى 37463 طائرة وهو ضعف الأسطول العالمي اليوم.
وكشفت جلسات عمل وورش قمة تقنية المعلومات التي نظمتها شركة سيتا أخيراً في برشلونة عن الحاجة إلى التكامل والتعاون بين مختلف الأطراف ذات العلاقة في عملية السفر سواء شركات الطيران أو المطارات أو المسافرين أنفسهم.
ويقول ماثيز سيرفونتين نائب الرئيس للمطارات في شركة سيتا العالمية إن المطار يلتقي فيه كل الجهات العاملة في عملية السفر الجوي وهي المسافر أولاً وشركة الطيران والمطار نفسه إضافة إلى مشغلي خدمات المناولة الأرضية والملاحة الجوية وجميعها أمور تشكل تحديات يومية للمطارات.
ويضيف سيرفونتين أن المطار هو المكان الذي تشعر فيه بتأثير التقنية والاتصالات مجتمعة، وبالتالي فإن التكنولوجيا تشكل الحل الأمثل لهذه المطارات في المستقبل للتعامل مع تضاعف أعداد المسافرين ونمو أعداد الطائرات التجارية التي تضيف المزيد من التحديات، والأهم أيضاً استخدام التقنية الملائمة في المكان الملائم.
ابتكارات
لكن سيرفونتين يقول إن الأخبار الجيدة في هذه التحديات أن المطارات اليوم تشكل المحور الأبرز للابتكارات والتقنية، وهناك مساعٍ كبيرة تبذل من مختلف المطارات في العالم لتنبي أحدث التقنيات لتوفير تجربة سفر مريحة لملايين الركاب يومياً.
ويقول إن تحقيق هذا الأمر يحتاج إلى سنوات ولن يحدث في عام أو عامين لأن التكنولوجيا نفسها تتغير وبتسارع هائل إذ لا يمكن مثلاً أن نتصور أن الهواتف الذكية ستدخل حياتنا اليومية بهذه القوة ومن كان يتصور مثلاً أن 90% من مسافري اليوم يحملون هواتف ذكية أو أجهزة متحركة باتت تستخدم اليوم في مختلف مراحل عملية السفر أو أن هناك واحداً من بين 5 مسافرين يحمل ثلاثة أجهزة متحركة سواء الهاتف أو الحاسوب اللوحي.
ويؤكد أن الخطة الاستراتيجية للمطارات والتي توضع عادة بأفق يمتد لـ 20-30 عاماً يجب أن تكون قابلة لاستيعاب تلك التكنولوجيا غير المعروفة وتصميم مشروع أي مطار يحتاج إلى منظومة تتكامل فيها تقنيات الاتصالات والمعلومات والقدرة على استيعاب تكنولوجيا المستقبل.
أكشاك إجراءات السفر «الهجينة» وهي تلك التي تمزج بين الاستخدام الذاتي من قبل المسافر ووجود موظف للمساعدة باتت تأخذ في الانتشار في مطارات العالم والاستثمارات فيها تعطي نتائج مضمونة. وقد أطلقت سيتا بالتعاون مع شركة فيرجين اتلانتيك في مطار بيرث باستراليا أول كشك من هذا النوع في العالم، وتعطي هذه الأكشاك مرونة لشركة الطيران للتحول بسرعة من كشك خدمة ذاتية للحقائب إلى كاونتر خدمات متكامل لإنجاز إجراءات السفر.
ومع استعداد 52% من مطارات العالم لتركيب بوابات خدمة ذاتية بحلول عام 2017 مع إمكانية استخدام جواز السفر المقروء آلياً أو الجواز الإلكتروني في 100 دولة فإن التكنولوجيا ستكون مفتاحاً لتجربة سعيدة مثمرة للمسافر الذي يبحث عن الراحة وقلة الطوابير في المطارات. ويتوقع أن يكون هناك نحو 175 مليون جواز سفر إلكتروني بحلول العام 2019، الأمر الذي يعني أن المسافر لن يحتاج سوى أقل من 30 ثانية لإنجاز إجراءات سفره.
إنترنت الأشياء
والتغيير في الصناعة لا يتوقف أبداً وهناك الجديد في التكنولوجيا كل يوم حيث يقول كيفين سوليفان أحد المهندسين في سيتا إن منظمة الطيران المدني ما زالت تدرس وضع معايير لاستخدام «البيكونز» في المطارات والبيكونز هي عبارة عن منارات صغيرة يتم تركيبها في المطارات لتسهيل عملية الاتصال بالإنترنت للمسافرين وهي بنفس الوقت توفر بيانات متكاملة عن المسافر عند استخدامها بحيث تسهل معرفة هذا المسافر وسلوكه في المرات المقبلة وصولاً إلى توفير قاعدة بيانات ضخمة عن المسافرين وسلوكهم وطريقة توجيههم في المطار لتخفيف الازدحام وتقليل أوقات الانتظار.
ولأن البيكونز هي عبارة عن «أجهزة استشعار» يمكن تركيبها في المصاعد والممرات ومختلف مرافق المطار بما فيها أنظمة الحقائب وبالتالي يمكن مراقبة عملية سير هذه الحقائب.
وشكلت «البيكونز» مدخلاً لما يسمى اليوم «إنترنت الأشياء» التي باتت حقيقة واقعة في المطارات وشركات الطيران التي لن تكون ذكية من دون استكشاف مقومات إنترنت الأشياء، وهي ببساطة تعني ربط كل الأجهزة ببروتوكول الإنترنت عبر عنوان «IP» مما يضمن تتبع البيانات وتحليلها.
ويقول جيم بيترز رئيس التقنية في سيتا إن إنترنت الأشياء تعطي المطارات القدرة على تركيب المزيد من البيكونز وبالتالي توفير المزيد من البيانات ليس فقط عن المسافرين بل عن كل عملية تشغيل المطار بدءاً من صيانة المرافق وحتى توزيع الموظفين ودورة العمل وانسياب حركة المسافرين وتوجيه الطائرات وغيرها.
مرحلة جديدة
وخلال السنوات الماضية نمت أعداد الأجهزة التي يستخدمها البشر بشكل هائل وتشير تقديرات إلى أن الأجهزة المتصلة تجاوز عددها 15 ملياراً في العام الماضي ويتوقع أن تصل إلى 50 مليار جهاز في العام 2020.
وتقول سيتا هذه الأحجية يمكن توجيهها لصالح المستهلك ذلك أن وضع أجهزة الاستشعار هذه يعطي الهيئات المختصة في المطارات وشركات الطيران القدرة على مراقبة تجميع البيانات وربطها بأشياء أخرى مثل الساعات الذكية التي شهدت طفرة في استخدامها وبعضها اليوم يتمتع بقدرة تصل إلى 1 غيغا هيرتز ومعالج ثنائي وغيرها.
ومع تسارع استخدام المزيد من التقنيات الذكية بما فيها الخدمات السحابية وموجات الراديو المنخفضة وأنظمة الحقائب الذكية فإن مطارات العالم تتجه فعلياً إلى مرحلة أخرى من «ذكاء المطارات أو المطارات الذكية التي تستخدم تلك «البيانات الضخمة» لإدارة مختلف عمليات المطار وتوفير تجربة سفر مثمرة للركاب».
الطائرة المتصلة
لكن التطوير لم يقتصر على المطارات لوحدها بل امتد إلى الطائرات وخاصة الحديثة منها التي باتت اليوم «طائرة إلكترونية» أو طائرة متصلة تماماً كما يجري الحديث عن السيارة المتصلة أو ذاتية القيادة.
وتسعى شركات الطيران اليوم إلى تزويد ركابها بخدمات إضافية تشمل الإنترنت والاتصال الهاتفي. ويقول ديفيد لافوريل الرئيس التنفيذي لشركة «سيتا أون اير» المتخصصة في تزويد شركات الطيران بالاتصالات إن القطاع يسعى إلى تحول الطائرة إلى تكنولوجيا حية أو منصة بيانات متنقلة ضمن منظومة النقل الجوي وهي تعد اليوم ثورة في الطريقة التي تدار بها الطائرة والطريقة التي يتصل بها الناس ويتفاعلون مع بعض.
وخلال الفترة الأخيرة أدخلت شركة انمارسات تقنية «غلوبال اكسبرس» التي ستفتح الباب لاتصالات عالية الجودة بشبكة فائقة السرعة من الحزم العريضة تصل سرعتها إلى 50 ميغا بايت في الثانية.
هذه الثورة ستمكن من إطلاق جيل جديد من خدمات المسافر وخدمات مقصورة الطائرة وهذا يعني أن لا فرق بين أن تكون على الأرض أو في الأجواء وخدمات الواي فاي التي ستكون متوفرة تتشابه تماماً مع تلك التي على الأرض.
وأعلنت شركات طيران عدة منها الخطوط السنغافورية وإحدى شركات الطيران في الشرق الأوسط عن البدء بترفيع مستوى وجودة خدمات الإنترنت.
ويشير لافوريل إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بخدمات الاتصال بل بالتفكير بأنها قناة مفتوحة تسمح لشركة الطيران بالاستخدام الأمثل للخدمات الرقمية والتحول المتسارع الذي توفره التكنولوجيا للطائرات الحديثة.
لكن الأمر الأهم هو الاستعداد والجاهزية من حيث البنية التحتية لإدارة تلك المجموعات الضخمة للبيانات التي توفرها الطائرة.
ويؤكد لافوريل أهمية الاتصال الكامل للطائرة «من الأنف للذيل»، وهو أمر تعمل عليه سيتا مع عدد من مصنعي محركات الطائرات ومنها شركة رولز رويس خصوصاً أن محركات الطائرة تحتوي على أجهزة استشعار ويمكنها أن تكون منصات ضخمة للبيانات.
ويشير إلى أن شركات الطيران حريصة على مواكبة عملية التحول الرقمي ليس فقط لخدمات المسافرين بل أيضاً في مجالات التجزئة وخدمة العملاء، حيث يمكن للشركات تعزيز إيراداتها الإضافية من خلال بيع المنتجات والسلع على الطائرة وتعزيز فاعلية العمليات الأرضية مثل توفير الوقود وجدول الصيانة وتحسين مستويات السلامة بما فيها تتبع الرحلات.
سجل موحد
من ضمن القضايا التي طرحها مؤتمر سيتا للتقنية إمكانية وضع «سجل رقمي منفرد» للمسافر يحتوي على التقنية الحيوية «بيوميترك» والمعلومات الخاصة به، بحيث يكون المسافر قادراً على استخدام هذا السجل كوثيقة سفر في كل خطوة من مراحل عملية إنجاز إجراءات السفر.
ويمكن أن يكون هذا السجل عبارة عن تطبيق يمكن تحميله على الهاتف الذكي للمسافر ليكون وثيقة سفره.
ويقول سيرفونتين من سيتا إن هذا الموضوع من ضمن تقنيات المستقبل التي تخطط لها لتشمل كامل عملية السفر من إنجاز الإجراءات والحقائب وحتى دخول الطائرة.
وتتيح هذه التقنية تخزين كامل الصفات الحيوية للمسافر ليتم التعرف عليها من خلال المسح المادي للجسم في أول نقطة في المطار، وبالتالي يصبح وجه المسافر وصفاته الحيوية معروفاً لدى كل موظفي المطار أو نقاط التفتيش وبوابات المغادرة دون الحاجة إلى إبرز جواز سفره.
وتجري سيتا حالياً اختبارات في مطارات عدة حول هذه التقنية أو ما يعرف «المسار الذكي»، ويمكن توسيع هذه التقنية بين مطارات العالم في حال توفر التعاون والتكامل في المستقبل بحيث يصبح المسافر معروفاً عند نقاط التفتيش وإجراءات السفر الأخرى.
ابتكارات متنوعة
خلال المؤتمر عرضت سيتا عدداً من الابتكارات المتنوعة التي تشمل مختلف عمليات قطاع النقل الجوي وهي تتركز في خمسة مجالات رئيسية باتت أكثر التحديات إلحاحاً في مجال النقل الجوي.
أما المجالات الخمسة فتشمل قدرات جديدة لتتبع الأمتعة عملاً بالقرار 753 لاتحاد النقل الجوي الدولي (أياتا)، وإدارة تحديد الهوية لتمكين تدفق ركاب آمن وسريع في المطارات، وتسهيل قدرة التوزيع الجديدة لاتحاد النقل الجوي الدولي، ونظام إنذار للتعطيل على مستوى صناعة النقل الجوي بالكامل، والارتقاء بمستويات أمن المعلوماتية في كل أرجاء مجال النقل الجوي.
وتضمنت ابتكارات سيتا أيضاً التطبيق المبتكر لتتبع الأمتعة في خدمات المناولة الأرضية، الذي يتيح لشركات الطيران تتبع الحقائب المتأخرة حتى تصل إلى وجهتها النهائية، كما تضمنت نظام «هوية سفر المستقبل» وهو توجه جديد يهدف إلى إدارة تحديد الهوية لتمكين تدفق ركاب آمن وسريع في المطارات.
وهذا الاستثمار في الابتكارات الخاصة بمجتمع النقل الجوي هو في المقام الأول استثمار سيتا المستمر في منتجات جديدة. وهو يهدف إلى مواصلة استشراف مستقبل أنواع التكنولوجيا الواعدة أو أساليب جديدة للنهوض بالأعمال يمكنها أن تحدث أثراً عظيماً وتثمر فائدة كبيرة لمجتمع النقل الجوي.
ترويسة
المسافر المتصل حقيقة واقعة
أصبحت نظرية «المسافر المتصل» حقيقة واقعة حيث يحمل 97% من مسافري خطوط الطيران جهازاً إلكترونياً شخصياً واحداً على الأقل. إلا أن معدلات الاستخدام العالمية تشير إلى أن الركاب متأخرون في تبني خدمات خطوط الطيران والمطارات على الأجهزة المحمولة أثناء سفرهم.
ويُظهر التحليل الأكثر تعمقاً أن بعض الرواد في المجال يخالفون هذه الأرقام محققين مستويات عالية من الاستخدام. وهذا وفقاً لتقرير «المستقبل أصبح شخصياً»، وهو التقرير الأحدث من سيتا، الشركة العالمية الرائدة في تزويد خدمات تكنولوجيا المعلومات إلى قطاع النقل الجوي.
وتعتمد رؤية سيتا في هذا المجال على أبحاث متعمقة أجريت مع أكثر من 6000 مسافر في 106 مطارات حول العالم تعاملت مع 2.35 مليار مسافر في العام الماضي وعلى خطوط طيران نقلت معاً ما يزيد على نصف حركة المسافرين العالمية.
وتظهر الأبحاث أن خطوط الطيران قامت باستثمارات ملحوظة في خدمات الهواتف المحمولة على مدار الأعوام الأربعة الماضية، حيث ارتفع استخدام الهواتف الذكية والتي تمكِّن أغلبيتها المسافرين حالياً من شراء التذاكر وتسجيل الوصول والحصول على معلومات الرحلات الجوية عبر تطبيقات هذه الهواتف، في الوقت الذي تقدم نصف مطارات العالم معلومات الرحلات الجوية عبر مثل هذا النوع من التطبيقات.