يرى المحللون أن التراجع الحالي في أسعار النفط والذي وصل إلى 50 دولاراً بالنسبة لبرميل برنت خلال الفترة من يونيو وحتى منتصف الأسبوع الماضي يشكل سلاحاً ذا حدين، ففي حين أنه قد يحدث خللاً في موازنات بعض الدول المنتجة فإنه في الجانب الآخر سيسهم في إنعاش اقتصادات البلدان المستهلكة والتي تعرضت لهزات كبيرة في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في 2008.
وتشير المعطيات إلى أن منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) لا تزال تمسك بمفاتيح اللعبة فهي تنتج نحو ثلث الإمدادات العالمية. وعلى الرغم من التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أن المؤكد هو أن تأثير اللاعبين الجدد لن يظهر بشكل كبير إلا على المدى البعيد.
تحول ملحوظ
وبدأ الإنتاج العالمي للطاقة في التحول بعيداً عن الموردين التقليديين، مع بروز توجه لدى العديد من الدول للاستفادة من موارد النفط والغاز غير التقليدية، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية أكبر مستهلك للطاقة عالميّاً، التي تشهد قفزات نوعية في هذا القطاع، مع التوجه نحو استخراج الغاز والنفط الصخريين بكميات كبيرة، الأمر الذي سيُغير خارطة أسواق الطاقة العالمية.
ووفقاً لدراسة نشرتها دورية «فورين أفيرز» فقد ارتفع إنتاج الغاز الصخري بالولايات المتحدة إلى أكثر من 50% سنويّاً، وقفزت حصته من إجمالي إنتاج الغاز في الولايات المتحدة من 5% إلى 39%.
تخمة المعروض
وفي ظل الاستثمارات الضخمة التي تضخها دول الخليج لزيادة الطاقة الإنتاجية وسعي الولايات المتحدة لاستغلال مواردها النفطية الكامنة فمن المتوقع أن تشهد الأسواق حالة تخمة نسبية قد تؤثر على مستوى الأسعار على المدى المتوسط. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الأميركية إلى أن الولايات المتحدة ستنتج نحو 3 ملايين برميل يومياً من النفط الجديد بحلول 2020.
ويشكل عامل التباطؤ الاقتصادي أيضاً مهدداً آخر للأسعار. وقررت أوبك في اجتماعها الشهر الماضي عدم خفض الإنتاج لدعم الأسعار متخلية عن سياستها المتعلقة بتعديل مستوى الإنتاج للحفاظ على سعر الخام قرب 100 دولار للبرميل. وأبقت المنظمة على مستوى إنتاجها المستهدف عند 30 مليون برميل يومياً رغم توقعاتها بفائض في الإنتاج ودعوات من بعض الدول الأعضاء لخفض الإنتاج من بينها إيران.
توقعات متباينة
وفي تقرير بتاريخ الخامس من ديسمبر الجاري قال مورغان ستانلي إن سعر الخام الخفيف قد يهبط إلى 43 دولاراً في العام المقبل وتوقع أن ينخفض برنت 28 دولاراً في 2015 إلى 70 دولاراً و14 دولاراً إلى 88 دولاراً في 2016. وقال البنك: في ظل عدم تدخل أوبك تواجه السوق خطر اختلال التوازن مع احتمال وصول الزيادة في المعروض إلى ذروتها في الربع الثاني من 2015.
وفي الإطار ذاته رجح نزار العدساني رئيس مؤسسة البترول الكويتية أن تظل أسعار النفط قرب 65 دولاراً للبرميل للأشهر الستة إلى السبعة المقبلة. وقال العدساني: أعتقد أن أسعار النفط ستظل قرب هذه المستويات بين ستة وسبعة أشهر أي عند حوالي 65 دولاراً للبرميل إلى أن يتضح تعافي الاقتصاد العالمي أو إذا حدثت أزمة سياسية أو إذا غيرت أوبك سياستها الإنتاجية.
ومن جانبه قال علي حاشد مستشار وزير الطاقة الجزائري إن بلاده تتوقع أن تظل أسعار النفط منخفضة لبعض الوقت بسبب تخمة المعروض في السوق لكنها لن تنزل أكثر من ذلك. وأوضح: عرفنا دورات من الارتفاع والانخفاض في الأوقات السابقة لكن قد نحتاج لبعض الوقت قبل أن ترتفع الأسعار مجدداً.
قدرة خليجية
وقالت وكالة موديز إن دول الخليج الست قادرة على تحمل أسعار النفط المنخفضة - التي قد تبلغ في المتوسط 80 إلى 85 دولاراً للبرميل العام المقبل، بحسب تقديرات الوكالة.
وأضاف التقرير إن الكويت وقطر الأكثر مرونة نتيجة انخفاض سعر النفط المطلوب في ميزانياتها لتعادل المصروفات والإيرادات. ورغم أن السعر المطلوب لتعادل ميزانيات السعودية والإمارات يبقى أعلى إلا أن الدولتين تتمتعان باحتياطيات ضخمة وقطاع غير نفطي كبير ما يمكنهما من التعامل مع تراجع أسعار النفط.
وتوقع تقرير موديز أن يكون العبء الأكبر في تراجع أسعار النفط على البحرين وعمان وسط توقعات باتساع العجز في ميزانية الدولتين إلى أكثر من 7% من الناتج المحلي الإجمالي.
ضرر غير محدود
تأثرت شركات الطاقة العالمية سلباً بتفاقم الخسائر في أسعار النفط الخام وشهدت أسهم بعض تلك الشركات تراجعات حادة في بورصات أوروبا وأميركا خلال الأسابيع الماضية.
كما أن الولايات المتحدة الأميركية ليست بمنأى عن الأضرار الناجمة عن انخفاض الأسعار، حيث قال جيسون فورمان كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي باراك أوباما إن بلاده ستواصل تعزيز إنتاج النفط لكن هبوط الأسعار العالمية سيبطئ وتيرة نمو الإنتاج.