دعت دراسة اعدها مجلس دبي الاقتصادي دول مجلس التعاون الخليجي إلى البدء في تطوير نظام ضريبي مناسب. وأعد الفريق التنفيذي بمركز السياسات الاقتصادية والأبحاث الذراع التشغيلي للأمانة العامة لمجلس دبي الاقتصادي سلسلة أبحاث السياسات الاقتصادية حول مشروع ضريبة القيمة المضافة ومضامينها بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي عامة والامارات بصفة خاصة. وتأتي هذه الأبحاث في إطار مهام الأمانة العامة للمجلس في صياغة مقترحات السياسات الاقتصادية بشأن مختلف القضايا الاقتصادية الكلية ذات التأثير الاستراتيجي لاقتصاد الامارات ودبي. وتشير الدراسة إلى أن مشروع ضريبة القيمة المضافة برز مؤخراً كأحد أهم قضايا السياسة المالية التي أخذت تحتل جانباً كبيراً من الحوار بين أوساط مراكز صنع القرار ومختلف الفعاليات الاقتصادية وخبراء الاقتصاد على حد سواء على مستوى دول التعاون والامارات وخاصة من حيث مدى أهميتها وآثارها المحتملة على الاقتصاد الوطني علاوة على استحقاقاتها وشروط نجاحها الى جانب القضايا الفنية المتصلة بها.
نظرة على السياسات الضريبية في دول التعاون
لا تستخدم دول المجلس ضرائب على الأرباح يمكن احلالها أو إلغاءها بضرائب معتدلة. علاوة على ذلك فان الايرادات التي تخسرها بعض دول المجلس نتيجة لالغاء الرسوم الجمركية ليست كبيرة بصورة مهمة. ومن الملاحظ أن ليس ثمة حاجة ماسة لمثل هذه الدول لأن تزيد من ايراداتها الضريبية هذا فضلاً عن أن بعض هذه الدول قد لا تحتاج أساساً الى المزيد من الايرادات على المدى المنظور. ونخلص من ذلك ان صانعي القرار في دول المجلس قد يترددون في اتخاذ اجراءات رئيسية على سياساتها الضريبية بما في ذلك تطبيق ضريبة القيمة المضافة ذات المعدل الموحد. لكنه بالمقابل فإنه بسبب الرافعة التي يمكن أن توفرها ضريبة القيمة المضافة لدول المجلس الى جانب مزايا استخدام المعدل الموحد في إطار هذه الضريبة فانها أي ضريبة القيمة المضافة قد تشكل الخطوة الحكيمة في هذا المجال حيث من شأنها أن توفر أداة مرنة يمكن استخدامها مستقبلاً.
وعلى دول المجلس أن تبدأ وبصورة جادة بتطوير الجوانب القانونية والادارية لنظام ضريبي مناسب. وبالطبع ان هذا النظام يعتمد على قاعدة ضريبية معينة مثل الدخل الثروة الاستهلاك وغيرها. وبالتالي فان الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هو التركيز على تحديد القاعدة الضريبية التي بموجبها تفرض الضرائب.
مدى الحاجة للتنسيق
تجدر الإشارة الى أن الأسواق المشتركة ليست بحاجة الى تنسيق بين أعضائها بشأن مستوى الانفاق العام وكذا السياسة الضريبية ذلك لأن أغلب الضرائب المفروضة على الدخل أو العقار وغيرها لا تتطلب قدراً من التنسيق على عكس بعض الضرائب. فمثلاً تتطلب الضرائب على المكوس وجود تنسيق معين بغية تجنب الحالات التي تشترى فيها البضائع في دولة ذات ضرائب منخفضة ولكن يتم تهريبها الى دول أخرى تكون فيها الضرائب مرتفعة.
ويمكن أن تعمل ضريبة القيمة المضافة كماكينة للنقود حيث تعد من أفضل الضرائب لتحقيق هذا الغرض إذ يمكن بسهولة زيادة الايرادات المتأتية منها بمجرد رفع معدلها. وتستخدم هذه السياسة من قبل العديد من دول العالم حيث تصل معدلها في بعض الدول الى 25٪ وتشكل الايرادات الناجمة عنها حوالي 10٪ من الناتج المحلي الاجمالي. وتقدم هذه الأرقام صورة واضحة عن حجم الايرادات التي يمكن أن تحققها هذه الضريبة للاقتصاد الوطني بيد أنه بالمقابل فان ضريبة القيمة المضافة ليست قليلة التكلفة في بداية تطبيقها وإدارتها.
ويشير أحد منشورات صندوق النقد الدولي الى أن تطبيق ضريبة القيمة المضافة يتطلب تكاليف ثابتة تكون مضمونة إذا كانت الايرادات المستهدفة منها كافية تماماً. وهكذا فان تطبيق ضريبة القيمة المضافة في دول المجلس سيكون مبرراً ويسيراً إذا كانت بمعدلات عالية. وبافتراض ان الدول قد تحتاج الى المزيد من الايرادات الضريبية عند مستوى معين فان المعدل المنخفض لضريبة القيمة المضافة يمكن النظر اليه كضريبة افتراضية بمعنى انها تشكل ضمانة أزاء الاحتياجات المالية المستقبلية ناهيك عن تعويض الخسارة المحتملة في الايرادات عند الغاء الرسوم الجمركية. أما عند تطبيق ضريبة القيمة المضافة وإمكانية تغطية التكاليف المرتبطة بها فسيكون بمقدور دول المجلس زيادة معدل هذه الضريبة بقدر يمكن أن تحقق لها ايرادات إضافية كلما اقتضت الحاجة لذلك.
الدول الفردية والدول الاتحادية
وأخيراً فان ضريبة القيمة المضافة يمكن أن تعمل بصورة كفوءة في الدول الفردية فيما تعمل بكفاءة أقل في الدول الاتحادية وخاصة تلك التي تستخدم معدلات وقوانين مختلفة. فعلى المستوى الاتحادي مثل الاتحاد الأوروبي والبرازيل الهند وغيرها يعد استخدام ضريبة القيمة المضافة محفوفاً بالصعوبات لاسيما فيما يتعلق بالاختلافات بين المؤسسات العامة الفردية والتي تعمل في إطار اتحادي. ورغم ذلك يمكن القول ان ضريبة القيمة المضافة ذات المعدل الموحد وفي ظل وجود قوانين مشتركة كتلك المطبقة حالياً في دول المجلس من شأنها تجاوز مثل هذه الصعوبات.
اتفاقيات
في عام 2003 اتفقت دول المجلس على التعرفة الجمركية الموحدة في تعاملاتها مع الدول غير الأعضاء. كما اتفقت على تأسيس سوق مشتركة وعملة موحدة كان من المؤمل أن تطرح للتداول في العام الماضي 2010. علاوة على ذلك فقد ابرمت دول المجلس اتفاقيات تجارية مع الاتحاد الأوروبي ودول أخرى والتي أي هذه الاتفاقيات احدثت انخفاضاً في حجم الايرادات التي كانت تحصل عليها دول المجلس من الرسوم التي تفرضها على الواردات. وطبقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي فأنه من المحتمل أن تكون خسائر هذه الدول من الايرادات ضئيلة نسبياً لا تتعدى 1٪ من اجمالي الناتج المحلي لدول المجلس. وعلى الرغم من ذلك فإن لهذه الضريبة مزايا عدة.
واستطاعت دول المجلس تحقيق فوائض مالية كبيرة من جراء ارتفاع أسعار النفط والغاز منذ عام 2003 وحتى سبتمبر 2008. كما أن بعض هذه الدول كالكويت مثلاً تحتفظ بأصول مالية ضخمة موظفة في الخارج والتي حققت لها عوائد مرموقة خلال السنوات الماضية وطبقاً للاحصائيات المتوافرة تجاوز الدخل من الاستثمار في الخارج 10٪ من الناتج المحلي الاجمالي للكويت. وإذا ما أضيف ذلك الى الايرادات غير النفطية للقطاع العام مثل الضرائب والرسوم فان اجمالي هذه الايرادات قد تجاوز انفاقها العام وكان من الطبيعي والحال هذا أن توفر هذه الفوائض المتراكمة لدول المجلس ضماناً ضد أي هبوط محتمل لأسعار الصادرات وخاصة في قطاعات النفط والغاز وكما حصل بالفعل إبان الأزمة الاقتصادية العالمية والتي يتفق الجميع أن دول المجلس قد استطاعت نسبياً مواجهة الأزمة بفعل استخدامها لتلك الفوائض في إطار سياسات التحفيز.
مدى الحاجة لعوائد ضريبية غير نفطية
من هنا فان السؤال المطروح هو فيما إذا كانت جميع أو بعض دول المجلس بحاجة الى عوائد ضريبية غير نفطية. وإذا كانت الاجابة بالاثبات فإن السؤال التالي هو: ما هي الضريبة الأمثل التي يمكن أن تحقق ذلك؟ وبالنظر الى مصادر الايرادات العامة لدول المجلس يمكن القول ان الايرادات (غير النفطية) في بعض هذه الدول تعد متواضعة نسبياً وأقل بكثير من حجم الانفاق العام. ولذا فإنه في حالة انخفاض إيرادات النفط والغاز اضافة الى عوائد الأصول الأجنبية المتراكمة فان الايرادات العامة غير الضريبية لن تكون كافية لتغطية النفقات العامة حتى في حالة ارتفاعها بصورة هامة كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي. وعلى أية حال فان الانفاق العام سيرتفع نسبة الى الناتج المذكور. وبكلمات أخرى من المحتمل أن تشهد هذه الدول صعوبات مالية كبيرة.
وبعد بلوغ أسعار النفط ذروتها في يوليو 2008 والتي اقتربت من حاجز 150 دولارا للبرميل الواحد سرعان ما انخفض بصورة دراماتيكية مع انطلاق الشرارة الأولى للازمة الاقتصادية العالمية في منتصف سبتمبر 2008 فيما كانت أسعار النفط قبل أكثر من عشرة أعوام أقل من ثلث ما بلغته في عام 2008 كما أن بعض دول المجلس واجهت عجوزات مالية كبيرة في تسعينات القرن الماضي. وما أن برزت الأزمة العالمية حتى دخل الاقتصاد العالمي بمرحلة من الركود الاقتصادي وتدهورت فيه الأسواق المالية وشهدت الدول المنتجة للنفط معدلات نمو سالبة. كما انخفضت احتياطيات النفط والغاز لدى بعض الدول كالبحرين. علاوة على ذلك فقد تركت الأزمة العالمية بصماتها على ايرادات الأصول المالية الموظقة في الخارج. لهذه الأسباب مجتمعة قد يكون من المفيد لدول المجلس أن تفكر جدياً في اتخاذ الاجراءات التي تسمح لها بمواكبة التطورات المستقبلية غير المرغوب بها.
الانفاق الجاري
إن جزءاً كبيرا من الانفاق الجاري في دول المجلس هو لأغراض الدعم والتحويلات أكثر منها للسلع العامة الحقيقية أو الخدمات العامة. واذا ما استمر هذا النمط من الانفاق الى جانب الانفاق على التعليم والتقاعد والصحة والبنية التحتية وسائر البرامج الأخرى فان الانفاق العام الكلي في هذه الدول آخذ بالتزايد الحاد. ويبرز ذلك بصورة جلية في الفترات التي انخفضت فيها أسعار النفط والغاز. وبالتالي كان من الطبيعي أن يقابل الانحسار الحاصل في الايرادات الفوائض المالية التي تراكمت لدى هذه الدول قبل اندلاع الأزمة العالمية. ومعنى ذلك أنه في جانب الانفاق ينبغي على دول المجلس تقليل الاعانات والتحويلات وفي ذات الوقت عليها ألاتذهب بعيداً مع النمط الأوروبي لسياسة دولة الرفاه التي عادة ما تعد مكلفة.
والخدمات العامة الحقيقية والأنسب ينبغي تمويلها من خلال تخفيض الاعانات العامة القائمة. وتشير التقارير الى أن ثمة وعيا لهذا التوجه على الأقل في بعض دول المجلس مثل السعودية. أما عن جانب الايرادات فهل ينبغي على دول المجلس اتخاذ اجراءات خاصة لزيادة مستوى الضريبة الذي لا يزال منخفضاَ؟ وهل على هذه الدول أن تتعاون في اتخاذ مثل هذه الاجراءات؟ هذه هي أسئلة مهمة لكنه من الصعوبة الاجابة عليها خصوصاً في ظل حالة اللايقين التي تسود الاقتصاد العالمي راهناً.
منظور تاريخي
تمثل ضريبة القيمة المضافة إحدى الأدوات الضريبية المستجدة نسبياً والتي لجأت إليها الكثير من دول العالم لتمويل المشاريع العامة. وتعد أوروبا أول من استخدم هذه الضريبة والتي وصفت حينئذ كأهم التطورات الحاصلة في نظمها الضريبية. ورغم الجدل الحاصل حول أصل ضريبة القيمة المضافة إلاَ أن الاعتقاد الشائع أنها تنسب الى الاقتصادي الفرنسي موريس لورة الذي أصدر أول كتاب حول ضريبة القيمة المضافة في عام 1953. وذكر كارل شوب ــ وهو أحد أشهر أساتذة المالية العامة في العالم آنذلك ــ أن ضريبة القيمة المضافة تعد ابتكاراً هاماً في السياسة المالية.
وطالبت دول الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة في بداية تشكيلها بالغاء الاجراءات التقييدية مثل دعم المصدرين الى جانب رسوم الاستيراد والتي سببت تشوهات في تدفق التجارة بين الدول الأعضاء من خلال تغير أسعار الصادرات والواردات مقابل اعطاء ميزة نسبية لبعض الدول الأعضاء. وطال النظر الى الضرائب على الأرباح المدورة على أنها مشوهة لأسعار المنتجات وخاصة تلك التي تتطلب مراحل متعددة من الانتاج. وتعتمد درجة التشوه في الأسعار النسبية على عدد المعاملات التي تحدث خلال عملية الانتاج بدءً من المرحلة الأولى -أي شراء المواد الخام- وحتى بيعها للمستهلك النهائي. وقد ولد هذا الحال حوافز قوية للشركات للدخول في تكامل فيما بينها على هيئة مؤسسات كبيرة للحيلولة من جعل بعض المعاملات التي تقوم بها داخلية وبالتالي لا تخضع الى ضريبة. أما الشركات المتكاملة عمودياً أي الشركات التي تقوم بمراحل متعددة من الانتاج ولكن تحت سقف واحد فبمقدورها تقليل الضريبة الكلية المفروضة على منتوجها النهائي بصورة مهمة.
أما بالنسبة لضريبة القيمة المضافة فإنها لا تخضع الى مثل هذه الممارسات. فحينما تطبق هذه الضريبة فان الضريبة التي كانت تفرض على سعر المنتج النهائي لا تعتمد على عدد المعاملات أو مراحل الانتاج التي تمر بها بل فقط على القيمة المضافة لكل مرحلة. وبالتالي فإن الضريبة المفروضة على المنتج النهائي كانت مساوية للضريبة المفروضة على المبيعات بالمفرق وبذات السعر.