لم يعد تغير المناخ خبراً يأتي من مستقبل بعيد، ولا رسماً بيانياً في تقرير علمي، ولا تحذيراً مؤجلًا، صار يحدث في الشهر نفسه، وفي القارة نفسها، وفي اليوم نفسه. أصبحنا اليوم نرى مدن كانت تظن نفسها مستعدة تكتشف ان الاستعداد نفسه أصبح متأخراً
خلال شهر واحد فقط، من منتصف يونيو إلى منتصف يوليو 2026، بدا العالم كأنه يقدم نسخة مكثفة من أزمة المناخ: موجات حر في أوروبا، وفيضانات في آسيا، وحرائق في فرنسا وإسبانيا، وأمطار موسمية قاتلة في باكستان، وأعاصير تضرب شرق آسيا، وأنهار ترتفع حرارتها إلى حد إرباك محطات الطاقة. لم تكن هذه أحداثاً متفرقة في أرشيف طويل، بل وقائع متلاحقة خلال أسابيع قليلة.
أوروبا تحت الاختبار
في أواخر يونيو، كتبت «غريست» أن خطط التكيف مع الحرارة في أوروبا تتعرض لاختبار قاس. فرنسا، التي تعلمت درساً مؤلماً من موجة حر 2003 حين مات أكثر من 14,800 شخص، بنت منذ ذلك الوقت واحداً من أكثر برامج الاستعداد للحرارة تطوراً في العالم، ويعتمد على نظام إنذار من أربع درجات، مراكز تبريد، متابعة للفئات الهشة، تنسيق بين الأرصاد والصحة، وتدريبات في باريس على سيناريوهات حرارة مستقبلية قد تصل إلى 122 درجة فهرنهايت.
لكن صيف 2026 لم ينتظر المستقبل. في باريس، تجاوزت الحرارة 103 درجات فهرنهايت، وتعرضت أكثر من 12 دولة أوروبية لتحذيرات من الحر خلال موجة واحدة. وكانت هذه ثاني موجة حر في شهرين، وكلتاهما بدأت قبل حلول الصيف رسميًا. كأن القارة التي صممت خططها للحرارة بدأت تكتشف أن الحرارة نفسها تتقدم أسرع من الخطط.
حرارة لا تقتل
الحر لا يقتل كما تفعل الفيضانات، فهو لا يظهر في صورة بيت مهدوم أو سيارة جرفها الماء. يقتل ببطء، داخل الغرف، في أجساد كبار السن، ومرضى القلب، ومن لا يملكون تكييفاً، ومن يعملون في الشوارع، ومن ينامون في مساكن رديئة التهوية.
في إنجلترا وويلز، ربط باحثون موجات الحر في مايو ويونيو بأكثر من 2,700 وفاة مبكرة، وقدروا أن أكثر من 40 % من تلك الوفيات ارتبط مباشرة بارتفاع الحرارة الناتج عن تغير المناخ. وفي دراسة أخرى على 12 مدينة أوروبية، قدر باحثون أن تغير المناخ كاد يضاعف الوفيات المرتبطة بموجة الحر الأخيرة ثلاث مرات، مضيفاً نحو 1,500 وفاة خلال عشرة أيام فقط بين 23 يونيو و2 يوليو، هذا يعني أن درجة الحرارة أصبحت اليوم عامل موت.
غابات في المدينة
في يوليو، اندلع حريق كبير في غابة فونتينبلو قرب باريس، والتهم نحو 800 هكتار، ودفع إلى إخلاء نحو 900 منزل، وشارك أكثر من 400 رجل إطفاء في مكافحته.
كما أتت طائرات الإطفاء من جنوب فرنسا لإخماد الحريق قرب باريس، وهذا بحد ذاته تحذير بأن الخطر الذي كان يربط سابقاً بجنوب أوروبا الجاف بدأ يزحف إلى مناطق كانت ترى نفسها أقل عرضة.
أنهار دافئة
كما أدى استمرار الحرارة وقلة الأمطار إلى انخفاض مناسيب بعض الأنهار وارتفاع حرارتها في فرنسا، ما أثر في محطات نووية تعتمد على مياه الأنهار للتبريد. واضطرت شركة الكهرباء الفرنسية إلى خفض أو وقف تشغيل بعض الوحدات، مثل مفاعل في محطة غولفيش، بسبب القواعد البيئية التي تمنع تصريف حرارة إضافية في أنهار دافئة أصلاً.
وهنا نرى بوضوح أن الحرارة تضرب البنية التحتية التي يظن المرء أنها ثابتة، فمحطة الطاقة تحتاج ماءً باردًا، والمدينة تحتاج كهرباء أثناء موجة الحر، وموجة الحر ترفع الطلب على التكييف، ثم تأتي الأنهار الدافئة لتضغط على قدرة الإنتاج.
وهذا ما يجعل الكوارث المناخية الحديثة مركبة. ليست حرارة وحدها، ولا فيضانًا وحده، ولا حريقًا وحده. إنها سلسلة من التأثيرات المتداخلة: صحة، كهرباء، ماء، غذاء، نقل، تأمين، إسكان، وسياحة، لذلك لم تعد خطط الطوارئ التقليدية كافية. المدن الآن بحاجة لنظام حياة كامل مصمم للحرارة.
آسيا والمطر
وفي باكستان، قتل 11 شخصاً، معظمهم نساء وأطفال، بعد أن تسببت أمطار غزيرة في انهيار سقف منزل من الطوب الطيني في منطقة كوهات شمال غربي البلاد. وفي مناطق مثل غلغت بلتستان، تسببت الأمطار والإنزلاقات الأرضية في إغلاق طرق وإلحاق أضرار بمنازل، بينما حذرت السلطات السياح من السفر إلى المناطق الشمالية بسبب مخاطر الفيضانات المفاجئة والانهيارات.
الصين تحت العواصف
وفي الصين، خلال يوليو أيضاً، ضربت عواصف شديدة وموجات أمطار وفيضانات وانهيارات وأعاصير مناطق عدة، مع تقارير عن مقتل ما لا يقل عن 17 شخصاً وإصابة المئات، وإجلاء عشرات الآلاف. وفي الوقت نفسه، كانت البلاد تستعد لإعصار «بافي» الذي دفع إلى إجلاء ما يقارب 1.8 مليون شخص في جنوب شرق الصين، مع إلغاء رحلات، وتعليق خدمات قطارات، وإغلاق مدارس ومكاتب في مناطق مهددة.
وهنا تتجلى فكرة ازدحام الكوارث: عواصف محلية، فيضانات، أعاصير، رياح، انزلاقات، وتحذيرات متزامنة، وهذا ما يجعل إدارة الكوارث أصعب في عصر الاحترار. فلم تعد الحكومات تتعامل مع حدث واضح يبدأ وينتهي، بل مع موجات متداخلة. تنقذ من فيضان في مدينة، وتستعد لإعصار في أخرى، وتتعامل مع انهيار أرضي في ثالثة.
شهر واحد
ما يجمع كل هذه الأحداث ليس أنها متشابهة، بل أنها متزامنة. خلال شهر واحد فقط، رأينا أوروبا تختنق بالحر، وفرنسا تكافح حرائق قرب باريس، وإسبانيا تفقد أرواحاً في النار، وأنهاراً دافئة تربك الطاقة، وباكستان تفقد عائلة تحت سقف طيني، والصين تنقل الملايين بعيدًا عن مسار إعصار. هذه ليست قائمة نهاية عام، بل حصيلة أسابيع.
قد يقال إن الحديث عن التكيف يعني قبول الكارثة، لكنه ليس كذلك. فالتكيف خط دفاع عن الأرواح في عالم ساخن بالفعل. لا يمكن أن نطلب من الناس الانتظار حتى تنخفض الانبعاثات كي نحميكم من الحر اليوم، ولا يمكن أن نطلب من كبار السن الصبر حتى تنجح القمم المناخية.