قبل أن يبدأ الدرس، كان الطنين هو أول من رحّب بنا. صوت خافت في البداية، ثم يتكاثر حول الأذن كأن الخلية كلها تتنفس في إيقاع واحد. هناك، بين صناديق النحل وأدوات الكشف ورائحة الدخان الممزوج بالريحان، لم تكن فتيات المدارس يبدون كطالبات في تجربة مدرسية، بل كحارسات صغيرات لعالم لا يسمح بالدخول إليه إلا لمن تعلّم الهدوء أولاً.

في ذلك المكان، كانت مجموعة من الطالبات تتنقل بين الخلايا بثقة هادئة؛ سلام رياض قعدان، ولورين فريد بسيسو، وفاطمة عبدالعزيز عبيد، وعلياء عبدالعزيز عبيد، وضحى عبدالعزيز عبيد، وسلمى أحمد القلتاوي، وشيماء هشام الدح، وعائشة إبراهيم السعيدي، وميثة إبراهيم السعيدي، وروضة عبدالله آل علي، وتسنيم رضا، وحصة عارف العوضي، وغاية خالد عبدالله.

يميزن بين العسل وخبز النحل والحضنة، ويهدئن خوف الزائر قبل أن يهدئن النحل نفسه. في تلك اللحظة، بدت المنحلة أقرب إلى فصل مفتوح في الطبيعة، لكنه فصل لا تُرفع فيه الأصوات، ولا تُستعجل فيه النتائج، ولا يُفهم فيه الكائن الصغير إلا بالصبر.

دخلت المنحلة وأنا أحمل شيئاً من الخوف الذي يحمله الإنسان عادة حين يقترب من النحل؛ ذلك الخوف القديم من الطنين، ومن الإبرة الصغيرة، ومن كائن لا نعرف كيف نقرأ مزاجه. لكن الغريب أن من هدّأن قلقي لم تكن الخبيرة أولاً، بل الفتيات أنفسهن.

كنّ يتحركن حول الخلايا بثقة لافتة، لا كزائرات عابرات، بل كمن يعرفن المكان وسكانه وأسراره الصغيرة. أعمارهن بين 13 و18 عاماً، لكن حديثهن عن الملكة، وحبوب اللقاح، وخبز النحل، وأدوات الكشف، كان حديث معرفة لا حفظ.

وحين طلبن مني ألا أخاف، شعرت أن العبارة لم تكن مجاملة، بل نتيجة فهم حقيقي لطبيعة الكائن الذي أمامهن.

يد خبيرة

تقف خلف هذه التجربة الدكتورة مريم حمّال، وهي طبيبة بيطرية متخصصة في النحل، علمت الفتيات تفاصيل هذا العالم منذ البداية؛ كيف يستخدمن الدخان لتهدئة النحل، ولماذا يضعن الريحان فوق مصدر النار ليخففن حرارة الدخان ويجعلن رائحته ألطف على الخلية. وكانت تشرح لهن كيف يقرأن صحة المنحلة من حركة العاملات، ومن وجود البيض والعسل، وكيف يمكن لغياب الملكة أو ضعفها أن يهدد مجتمعاً كاملاً داخل الصندوق الصغير.

تتحدث عن النحل كما يتحدث شخص عن عالم كامل، لا عن حشرة صغيرة. تقول إن النحل غيّر نظرتها للطبيعة، بل غيّر حتى علاقتها بالبشر.

فحين تصبح الخلية منزعجة، لا تسأل: لماذا النحل عدواني؟ بل تسأل نفسها أولاً: ماذا فعلت أنا لأزعجه؟ هذه الفكرة، كما تقول، انتقلت إلى حياتها اليومية، إلى طريقة فهمها للناس والعلاقات والهدوء والصبر.

تقول الدكتورة مريم إن علاقتها بالنحل بدأت عام 2014، حين فتحت خلية للمرة الأولى وشعرت براحة نفسية غريبة وسط الطنين. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد النحل بالنسبة لها مجرد كائن منتج للعسل، بل مفتاحاً لفهم الطبيعة كلها. فالنحلة، كما ترى، ليست وحدها في العالم؛ إنها مرتبطة بالشجرة والزهرة والماء والحيوان والإنسان، وكل حلقة صغيرة فيها تقود إلى حلقة أكبر.

برنامج مستمر

في الخلفية، كانت إيمان نمر، تنفيذي أول برامج المهارات الحياتية في مركز "ربع قرن"، تتحدث عن البرنامج بوصفه أكثر من دورة نحالة. شرحت أن المنظومة كاملة قائمة على بناء الشخصية والوعي والاستدامة، وأن البرامج لا تُقدَّم بشكل عشوائي، بل ضمن مسارات واضحة تهدف إلى صناعة جيل يمتلك مهارات الحياة، لا المهارات المهنية فقط.

بدأت الفكرة قبل ثلاث سنوات في «سجايا» للفتيات في الشارقة، ثم تطورت لاحقاً مع افتتاح المنحل في المركز، لتصبح الفتيات أنفسهن مسؤولات عن الخلايا، لا مجرد متلقيات للدرس. واليوم، بعد نجاح النسخ السابقة، تطالب المشاركات بنسخة رابعة، بينما يتسع البرنامج ليشمل كذلك ناشئة الشارقة ضمن مؤسسات ربع قرن.

وتوضح إيمان أن الهدف لم يكن إنتاج العسل فقط، بل بناء مهارات شخصية مرتبطة بالصمود والالتزام والعمل الجماعي والوعي البيئي والاستدامة. فالفتاة التي تلتزم بأسابيع طويلة من التدريب، وتتعلم أن العسل لا يأتي بسرعة، تتعلم أيضاً معنى الصبر. والفتاة التي تعمل داخل فريق حول خلية واحدة تتعلم كيف تنجح الجماعة لا الفرد وحده.

تقول إيمان إن أكثر ما لاحظته في الفتيات هو الالتزام. ثماني جلسات، وأسابيع من الحضور، وانتظار طويل قبل رؤية النتيجة. لم تكن النحالة درساً في العسل فقط، بل درساً في الصبر. فالفتاة التي تأتي أسبوعاً بعد أسبوع، وتفتح الخلية بهدوء، وتتعلم أن العمل لا يعطي ثماره فوراً، تتدرب من حيث لا تدري على معنى الصمود.

معرفة دقيقة

ما يدهش في الفتيات أن معرفتهن لم تكن سطحية. كن يشرحن كيف يُستخدم الدخان لتهدئة النحل، ولماذا يمكن وضع الريحان فوق مصدر الدخان لتلطيف الرائحة وخفض حرارته. وكن يعرفن أن فتح الخلية يحتاج إلى أداة خاصة لإزالة الشمع من الأطراف، وأن البحث عن الملكة ليس أمراً سهلاً لأنها قد تختفي بين آلاف العاملات.

إحدى الفتيات قالت إن أصعب ما تعلمته كان العثور على الملكة. أخرى شرحت كيف يتكون «خبز النحل» من حبوب اللقاح الممزوجة بالعسل، وكيف تتغذى عليه العاملات والذكور. وثالثة شرحت خطر «فراشة السمسم» التي تدخل الخلية وتسرق العسل وتؤذي الخلايا، قبل أن يكتشفها النحل ويهاجمها ويغلف بقاياها بالعكبر حتى لا تتعفن داخل الخلية.

شرحت الفتيات أن الملكة تُعلّم بنقطة لونية تساعد على تمييزها، وأن اللون قد يرتبط بسنة معينة في أنظمة الترقيم التي يستخدمها النحالون. لم يكن هذا التفصيل صغيراً؛ ففي عالم النحل، كل إشارة تعني شيئاً، وكل لون قد يساعد في قراءة عمر الملكة وسلامة الخلية.

نحل الصحراء

ولأن الإمارات ليست بيئة سهلة على النحل، كان اختيار السلالة جزءاً من العلم لا المصادفة. توضح الدكتورة مريم أن النحل المستخدم قريب من "Apis mellifera jemenitica"، وهي سلالة معروفة من نحل العسل الغربي، موطنها الأصلي أجزاء من شبه الجزيرة العربية ومناطق أخرى، وتعرف بقدرتها العالية على تحمل الحرارة.

 وتشير دراسات حديثة إلى أن هذه السلالة من أكثر سلالات نحل العسل تحملاً للحرارة، وقادرة على البقاء في بيئات تتجاوز فيها درجات الحرارة اليومية 45 درجة مئوية في الجزيرة العربية.

مكيف طبيعي

أكثر ما أدهشني أن الفتيات كن يتحدثن عن الخلية كأنها بيت له نظامه الحراري الداخلي. فحين تصل الحرارة في الخارج إلى الأربعين أو الخمسين، تحافظ الخلية غالباً على حرارة داخلية تقارب 35 إلى 36 درجة. تفعل ذلك بطرق مذهلة؛ يجلب النحل الماء، ثم تحرك العاملات أجنحتها لتهوية المكان، كأن الخلية تصنع مكيفها الصغير بيديها.

وهنا يبدو النحل كأنه سبق الإنسان إلى فكرة العمارة الذكية؛ كائن صغير يبني بيتاً يعرف كيف يتنفس، وكيف يبرد نفسه، وكيف يحمي حضنته من الخارج القاسي.

فتيات واثقات

قالت إحدى الفتيات إن النحل كائن مسالم ولطيف، وإنها لم تعد تخاف منه بعد أن عرفته عن قرب. وربما في هذه العبارة وحدها يكمن معنى البرنامج كله؛ فالخوف غالباً ابن الجهل، وكلما اقترب الإنسان من الكائن وفهم منطقه، خفّت الوحشة بينهما.

وكانت الفتيات يتحدثن عن أعداء الخلية كما لو أنهن يشرحن نظاماً اجتماعياً كاملاً. يصفن «فراشة السمسم» التي تدخل الخلية وتحاول تقليد رائحة الملكة لتسرق العسل وتؤذي الحضنة، ثم يشرحْن كيف يكتشفها النحل لاحقاً ويهاجمها ويغلفها بالعكبر حتى لا تتعفن داخل الخلية. كما تحدثن عن الدبابير التي تهدد النحل، وعن تأثيرها على المنحلة والتوازن البيئي.

ولم تكن المعرفة هنا نظرية فقط؛ كانت معرفة تُلمس بالأيدي وتُفهم بالوقوف الطويل تحت الشمس، في الصيف أيضاً، لا في الشتاء وحده. فالفتيات كنّ يأتين إلى المنحلة حتى في الحر القاسي، يفتحن الخلايا، ويتعلمن كيف يحافظ النحل على حرارة ثابتة داخلها رغم وصول الحرارة في الخارج إلى الأربعين والخمسين.

غذاء العالم

النحل ليس تفصيلاً صغيراً في الطبيعة. فبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، يعتمد نحو 75% من أنواع المحاصيل الغذائية في العالم، بدرجات متفاوتة، على الملقحات مثل النحل والطيور والخفافيش، ما يجعل حماية الملقحات جزءاً أساسياً من أمن الغذاء والتنوع الحيوي.

وحين تعرف فتاة في الثالثة عشرة هذه الحقيقة لا كرقم في كتاب، بل كخلية تفتحها بيدها، يصبح الوعي البيئي شيئاً حياً. لا يعود الكلام عن الاستدامة شعاراً مدرسياً، بل يتحول إلى عسل وشمع وملكة ونحلات عاملات يحرسن مستقبل الطعام بصمت.

عالم آمن

في نهاية الزيارة، لم أخرج بصورة النحل فقط، بل بصورة الفتيات. فتيات صغيرات يقفن وسط الطنين بلا ارتباك، يهدئن الزائرة الخائفة، ويمسكن أدوات المنحل، ويقرأن الخلية كما يقرأ الطبيب نبض مريضه.

قالت الدكتورة مريم إن رؤية جيل صغير يعود إلى هذه المهنة يمنحها أملاً، لأن الأجداد كانت لهم علاقة طيبة بالنحل، ثم ضعفت هذه العلاقة مع الزمن. أما اليوم، فهؤلاء الفتيات يعيدن وصل الخيط من جديد.

وربما لهذا بدت الخلية في ذلك اليوم أكبر من صندوق خشبي مليء بالعسل. كانت مدرسة صغيرة للصبر، ومختبراً للاستدامة، ومرآة تقول إن العالم، ما دام في أيدي فتيات يعرفن كيف يقتربن من النحل بهذا الهدوء، لا يزال بخير.