في تطور علمي قد يعيد رسم مستقبل الطاقة عالميا، بدأ علماء في الولايات المتحدة سلسلة اختبارات متقدمة على نوع جديد من وقود الاندماج النووي يُعرف بـ"الوقود المستقطب الدوران"، داخل مفاعلات "توكاماك" تعمل عند درجات حرارة هائلة تصل إلى نحو 100 مليون درجة مئوية (180 مليون درجة فهرنهايت)، في محاولة لتعزيز كفاءة التفاعلات النووية وتقليل الاعتماد على الوقود النادر.

ويقود المشروع فريق من منشأة توماس جيفرسون الوطنية للمسرعات التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية، ضمن جهود استراتيجية لتطوير مسار أكثر فاعلية لتوليد الطاقة النظيفة عبر محاكاة تفاعلات الشمس على الأرض.

تقنية جديدة قد تضاعف كفاءة الاندماج

يرتكز المشروع على مفهوم "استقطاب الدوران" (Spin Polarization)، وهو مبدأ فيزيائي يُستخدم في الأبحاث النووية، يقوم على محاذاة "الدوران الذاتي" للجسيمات، وهي خاصية كمومية تجعل كل جسيم يتصرف كمغناطيس دقيق.

وبحسب النماذج النظرية، فإن توحيد اتجاه دوران الجسيمات قبل حدوث التصادم النووي يمكن أن:

يرفع احتمالية حدوث تفاعل الاندماج بنسبة تصل إلى 50%

يزيد إنتاج الطاقة الناتجة بما يقارب 80%

يقلل كمية الوقود المطلوبة لتحقيق الاشتعال النووي

وقال الفيزيائي شيانغدونغ وي، أحد قادة المشروع: "إذا تمكنا من ضبط محاذاة الجسيمات بشكل مثالي، فإن كمية صغيرة من الوقود يمكن أن تولّد تفاعلًا أكبر بكثير، ما يسمح بإعادة استخدام الطاقة الناتجة في دورات اندماج لاحقة".

وقود بديل يتجاوز التريتيوم

بعكس معظم تجارب الاندماج الحالية التي تعتمد على مزيج الديوتيريوم-تريتيوم (D-T)، يستخدم المشروع مزيجا من الديوتيريوم والهيليوم-3، لتجنب التحديات المرتبطة بالتريتيوم، الذي يتميز بندرته وطبيعته المشعة.

ويمتاز الهيليوم-3 بخصائص دوران مشابهة، لكنه أكثر أمانا من الناحية الإشعاعية.

ومع ذلك، يشير العلماء إلى أن التريتيوم يمكن إنتاجه صناعيا عبر تفاعل النيوترونات مع الليثيوم، ما يعني أن إمدادات الوقود لن تكون عائقا طويل الأمد.

داخل مفاعل DIII-D: اختبار في قلب البلازما

تُجرى التجارب داخل مفاعل DIII-D، أكبر مفاعل توكاماك في أمريكا الشمالية، والذي يُستخدم كمنصة رئيسية لاختبار تقنيات مفاعلات المستقبل، بما في ذلك مشروع ITER الدولي.

ويعتمد المفاعل على مجالات مغناطيسية قوية لحصر البلازما داخل حجرة على شكل حلقي، حيث تتصادم النوى الذرية وتندمج، مطلقة طاقة هائلة تحاكي ما يحدث في قلب النجوم.

ويهدف المشروع إلى اختبار ما إذا كانت خاصية استقطاب الدوران يمكنها الصمود داخل هذه البيئة القاسية، حيث تتعرض الجسيمات لحرارة وضغط شديدين.

تحديات هندسية معقدة في زمن قياسي

لتحقيق ذلك، يستخدم الفريق تقنيات متقدمة مستوحاة من أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لاستقطاب الهيليوم-3، قبل نقله وحقنه داخل المفاعل دون فقدان محاذاته.

كما يتم تجهيز حبيبات من "ديوتريد الليثيوم" (LiD)، وهي مادة صلبة في درجة حرارة الغرفة، سهلة التخزين والنقل، لكنها تمثل تحديًا كبيرًا عند محاولة استقطابها.

وتتم عملية الحقن خلال أجزاء من الألف من الثانية، وتتطلب:

تحكما دقيقا في التبريد العميق (Cryogenics)

إدارة معقدة للمجالات المغناطيسية

نقل الوقود دون فقدان خصائصه الكمومية

خطة مرحلية حتى 2030

يتكون المشروع من عدة مراحل:

المرحلة الأولى: تأمين المواد وتجهيز حبيبات الوقود (تمت بالفعل، مع تخزين LiD في منشأة أوك ريدج)

المرحلة الثانية: تطوير نظام متكامل يشمل أجهزة الحقن وأدوات القياس الدقيقة

المرحلة النهائية (بحلول 2030): إجراء اختبارات كاملة وتحليل نواتج الاندماج للتحقق من تأثير استقطاب الدوران

وسيتم خلال المرحلة الأخيرة قياس ما إذا كانت الجسيمات تحتفظ بمحاذاتها داخل البلازما فائقة الحرارة، وهو التحدي العلمي الأكبر في المشروع.

انعكاسات محتملة على مستقبل الطاقة

إذا نجحت هذه التجارب، فقد تمثل نقطة تحول في صناعة الاندماج النووي، حيث يمكن أن تؤدي إلى:

تصميم مفاعلات أصغر حجما وأقل تكلفة

تقليل متطلبات الاشتعال النووي

تسريع الجدول الزمني للوصول إلى طاقة اندماج تجارية

وفي هذا السياق، أكد ماثيو لانكتوت، المسؤول في مكتب العلوم بوزارة الطاقة الأمريكية، أن المشروع يمثل "استثمارا موجّها ضمن خارطة الطريق الوطنية للاندماج"، مشيرا إلى أن نجاحه قد يكون له "تأثيرات كبيرة على محطات الاندماج التجريبية المستقبلية".

بداية عصر جديد في أبحاث الاندماج

من جانبه، قال المهندس فيليب دوبرينز إن نجاح المشروع "قد يفتح مجالا بحثيا جديدا بالكامل داخل صناعة الاندماج"، في إشارة إلى الإمكانات الواسعة التي قد تنشأ عن دمج فيزياء الاستقطاب مع تقنيات الاندماج.

وبينما لا تزال التحديات التقنية كبيرة، يرى الخبراء أن هذا النهج قد يشكل خطوة حاسمة نحو تحقيق حلم طال انتظاره، إنتاج طاقة نظيفة، غير محدودة، وآمنة تحاكي قوة النجوم على كوكب الأرض.