كشف علماء للمرة الأولى عن مشاهد مباشرة لعملية كمومية خفية تقف وراء ظاهرة الموصلية الفائقة، وهي الحالة التي تسمح بمرور الكهرباء من دون أي مقاومة عند درجات حرارة شديدة الانخفاض، في اكتشاف قد يعيد تشكيل فهم العلماء لهذه الظاهرة الفيزيائية المهمة.

وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية Physical Review Letters، أن الجسيمات المزدوجة داخل نظام ذري فائق البرودة لا تتحرك بشكل مستقل كما كان يُعتقد سابقاً، بل تؤدي ما يشبه "رقصة منسقة" تتأثر فيها كل زوجية ذرية بحركة الأزواج المجاورة.

اعتمد الباحثون على غاز خاص يُعرف باسم غاز فيرمي، جرى تبريده إلى درجات تقترب من الصفر المطلق، وهي أدنى درجة حرارة ممكنة نظرياً، وفي هذا الوسط، استخدم العلماء ذرات بدلاً من الإلكترونات لدراسة سلوك الموصلية الفائقة ضمن بيئة يمكن التحكم بها بدقة.

أزواج ذرية

وبعد رصد تكون الأزواج الذرية، اكتشف الفريق أن هذه الأزواج لا تتوزع عشوائياً، بل تحافظ على مسافات محددة بينها، في سلوك جماعي لم تتنبأ به النظرية التقليدية للموصلية الفائقة المعروفة باسم نظرية BCS، التي وُضعت قبل أكثر من 70 عاماً.

وقال الباحث طارق يفصح من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في باريس: "تجربتنا أظهرت أن هناك شيئاً أساسياً مفقوداً في النظرية الحالية".

تحدث الموصلية الفائقة عادة في بعض المعادن عندما تبرد إلى درجات منخفضة جداً، وعندها تختفي المقاومة الكهربائية بالكامل، ما يسمح بانتقال الطاقة من دون فقدان.

ويرجع السبب إلى تكوّن أزواج من الإلكترونات تتحرك بانسجام داخل المادة، في مشهد يشبه راقصين يتحركان معاً على أرضية قاعة رقص.

لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن الأزواج لا تكتفي بالحركة الثنائية، بل تتفاعل أيضاً مع الأزواج الأخرى المحيطة بها، وهو جانب لم توضحه النظرية القديمة بشكل كامل.

تقنية متطورة

استخدم العلماء تقنية تصوير متطورة لرصد مواقع الأزواج الذرية داخل غاز من ذرات الليثيوم المبرد إلى بضعة أجزاء من مليار درجة فوق الصفر المطلق.

وأظهرت الصور أن كل زوج يحافظ على مسافة معينة من الأزواج الأخرى، تماماً كما يتجنب الراقصون الاصطدام ببعضهم على أرضية الرقص.

ووصف الباحثون ذلك بأنه أول تصوير مباشر يكشف العلاقات المتبادلة بين الأزواج داخل نظام فائق التوصيل.

انجاز

يمنح هذا الإنجاز العلماء فهماً أعمق للمواد الكمومية، وقد يساعد في تطوير موصلات فائقة تعمل في درجات حرارة أعلى، وهو أحد أكبر الأهداف العلمية حالياً.

ولو تحقق ذلك، فقد يقود إلى شبكات كهرباء أكثر كفاءة، وأجهزة إلكترونية أسرع، وأنظمة حوسبة متقدمة تستهلك طاقة أقل بكثير.

وأشار الباحثون إلى أن فهم الأنظمة البسيطة اليوم سيساعد في دراسة مواد أكثر تعقيداً مستقبلاً، وربما يقود إلى اكتشاف حالات جديدة للمادة تدفع ثورات تكنولوجية قادمة.