تتجه أوروبا إلى إعادة اكتشاف الخشب بوصفه أكثر من مجرد مادة تقليدية للبناء، سعيا إلى تحويله إلى مورد استراتيجي يدعم التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون. ومع تصاعد الجهود لمواجهة تغير المناخ وخفض الانبعاثات، تتزايد أهمية الغابات والصناعات المرتبطة بها، في تحول قد يعيد رسم ملامح قطاعي البناء والتصنيع في القارة.
ويحلل تقرير «مسارات الغابات 2025/2026»، الصادر عن اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لأوروبا، بيانات من 16 دولة تمتد من أرمينيا إلى المملكة المتحدة، مسلطًا الضوء على تنامي دور الأخشاب في دعم الاستدامة وتطوير صناعات جديدة.
الخشب بديل للبناء التقليدي
ويبرز قطاع البناء بوصفه أحد المحركات الرئيسية لهذا التحول، مع التوسع في استخدام الأخشاب الهندسية والهياكل الهجينة والمكونات الجاهزة، التي يمكن أن تقلل البصمة الكربونية للمباني وتسرّع عمليات التشييد، فيما يتيح الخشب تخزين الكربون داخل المنشآت لفترات طويلة.
وبحسب تقرير نشرته «يورو نيوز» في سبتمبر 2026، يمثل قطاع البناء أكثر من 35% من إجمالي النفايات المتولدة داخل الاتحاد الأوروبي، بينما تسهم عمليات استخراج المواد وتصنيع منتجات البناء والتشييد والتجديد بنحو 5% إلى 12% من الانبعاثات الوطنية.
ونقل التقرير عن سوبرا باتاشارجي، المدير العام لمجلس الإشراف على الغابات، أن تقنيات البناء الخشبي تتيح إنشاء هياكل متنوعة، مشيرا إلى تقديرات تفيد بأن تكلفة المنازل الخشبية قد تقل بنسبة تصل إلى 25% مقارنة بالمباني التقليدية. كما أشار إلى حاجة الاتحاد الأوروبي لبناء أكثر من مليوني مسكن سنويًا لتلبية الطلب.
من الغابات إلى الاقتصاد الأخضر
ولا يقتصر الرهان على استخدام الخشب في البناء، بل يمتد إلى صناعة المنسوجات والمواد العازلة والتغليف والراتنجات، بما يتيح بدائل لبعض المنتجات المعتمدة على الوقود الأحفوري.
تبلغ قيمة سوق البناء الخشبي في أوروبا وأمريكا الشمالية نحو 5 مليارات دولار، مع نمو سنوي متوسط يبلغ 10%. وقد يتيح التوسع في الاقتصاد الأخضر فرصًا لتوفير نحو 1.5 مليون وظيفة، بحسب التقرير.
ورغم هذه الإمكانات، يظل نجاح التجربة مرهونا بالإدارة المستدامة للغابات، وحماية التنوع الحيوي، وضمان تجدد الأشجار. فالخشب ليس حلا بيئيا تلقائيا؛ إذ يعتمد أثره على طريقة إنتاجه ونقله واستخدامه.
وتعكس هذه الخطوة تحولا في فلسفة البناء الأوروبية، عن طريق تعزيز دور الخشب في قطاع البناء، باعتباره أحد الخيارات الواعدة لدعم التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وأقل انبعاثًا للكربون. ولا يعني هذا التوجه التخلي عن الخرسانة والفولاذ، بقدر ما يعكس سعيا إلى تنويع مواد البناء، والاستفادة من البدائل المتجددة، وتقليص النفايات والانبعاثات المرتبطة بقطاع التشييد. غير أن نجاح هذا الرهان يظل مرهونا بإدارة الغابات على نحو مستدام، وضمان تجدد مواردها، وحماية التنوع البيولوجي، بما يحقق التوازن بين الاحتياجات العمرانية والحفاظ على البيئة.