نجح فريق دولي من العلماء في تطوير سبيكة معدنية خارقة تتمتع بقوة غير مسبوقة، متفوقة على العديد من المواد المستخدمة حاليا. واكتشف الباحثون أن السر الحقيقي يكمن في طريقة ترتيب الذرات داخل السبيكة أثناء تصنيعها، ما أدى إلى إنتاج مادة أقوى وأكثر استقرارا قد تمهد لجيل جديد من المواد المستخدمة في الطائرات والطاقة والصناعات المتقدمة.
وتدخل السبائك المعدنية في معظم تفاصيل حياتنا الحديثة، من هياكل الطائرات والمركبات إلى الأجهزة المنزلية وأدوات المائدة، إذ تمنح المعادن خصائص لا يمكن الحصول عليها من العناصر النقية وحدها. وعلى مدار أكثر من قرن، ركز العلماء على تحسين هذه المواد عبر تغيير مكوناتها الكيميائية وطرق تصنيعها، لكن دراسة جديدة تقترح طريقة مختلفة تماما وهي التحكم في طريقة ترتيب الذرات داخل المعدن نفسه.
فقد توصل فريق دولي من الباحثين إلى تقنية جديدة لتصنيع السبائك يمكن أن تنتج مواد أقوى بكثير من المعادن المستخدمة حاليا، وذلك عبر استخدام درجات حرارة منخفضة نسبيا والتحكم بدقة في مدة المعالجة، ما يسمح للذرات بإعادة تنظيم نفسها داخل بنية أكثر استقرارا وانتظاما.
ويقول الباحثون إن السر يكمن في تكوين حبيبات معدنية صغيرة ومترابطة، إذ تمثل هذه الحبيبات الوحدات الأساسية التي يتكون منها المعدن. وكلما كانت أكثر انتظامًا وأقل احتواءً على العيوب، ازدادت قوة المادة وقدرتها على تحمل الظروف القاسية.
وخلال التجارب، مزج العلماء خمسة معادن هي الهافنيوم، والنيوبيوم، والتنتالوم، والتيتانيوم، والزركونيوم، لتكوين نوع متقدم من السبائك يُعرف باسم السبيكة عالية الإنتروبيا المقاومة للحرارة (RHEAD).
وبعد صهر المكونات عند درجات حرارة مرتفعة، خفّض الباحثون درجة الحرارة إلى نحو 550 درجة مئوية، ثم تركوا السبيكة لعدة ساعات حتى أيام. وبعد حوالي 32 ساعة من المعالجة، وصلت المادة إلى أفضل أداء لها، محققة خصائص ميكانيكية تفوقت على السبائك التقليدية.
وأظهرت الاختبارات أن السبيكة الجديدة تتمتع بقوة ضغط تتجاوز 2 جيجاباسكال مع الحفاظ على قدر من المرونة، ما يعني أنها قادرة على الانحناء وتحمل الضغط دون أن تنكسر بسهولة، وفقا لـ"sciencealert.".
ووفقًا للباحثين، فإن هذه السبيكة أصبحت أقوى بمرتين من الفولاذ التقليدي، وأقوى بثلاث مرات تقريبًا من الألومنيوم، كما تفوقت بمرتين على السبيكة نفسها عند تصنيعها بالطرق المعتادة.
ويرى العلماء أن أهمية هذا الاكتشاف لا تكمن فقط في إنتاج معدن أقوى، بل في تغيير طريقة التفكير حول تصميم المواد مستقبلًا. فبدلًا من إضافة المزيد من العناصر لزيادة قوة السبائك، قد يصبح بالإمكان تحسين أدائها من خلال التحكم في البنية الداخلية للذرات.
وقد تفتح هذه التقنية الباب أمام جيل جديد من المواد المستخدمة في قطاعات حساسة مثل صناعة الطائرات، والمركبات الفضائية، وأنظمة الطاقة، والهندسة المتقدمة، وربما صناعات أخرى لم تظهر بعد.
لكن الباحثين يؤكدون أن الطريق ما زال طويلًا قبل استخدام هذه السبائك على نطاق واسع، إذ يحتاج العلماء إلى فهم أعمق للآلية التي تجعل الذرات تعيد تنظيم نفسها بهذه الطريقة، بهدف تطوير العملية وجعلها قابلة للتطبيق تجاريًا.
ويشير هذا الاكتشاف إلى تحول محتمل في علم المعادن، حيث قد لا تكون قوة المادة مرتبطة فقط بما تتكون منه، بل بكيفية ترتيب مكوناتها على المستوى الذري.