لم تعد حملات الهجرة والاعتقالات التي تنفذها وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) مجرد قضية سياسية أو أمنية داخل الولايات المتحدة، بل تحولت تدريجياً إلى محرك اقتصادي ضخم يغذي قطاعات التكنولوجيا الأمنية والمراقبة الرقمية وتحليل البيانات.

ونشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تحقيق كشف عن كيفية توسع الحكومة الأميركية في استخدام أنظمة مراقبة متقدمة لتعقب المهاجرين، عبر قواعد بيانات ضخمة وتقنيات ذكاء اصطناعي وتطبيقات تتبع وتحليل بيومتري، ما خلق سوقاً متنامية للشركات الأمنية والتكنولوجية. 

وبحسب التقرير، تعتمد وزارة الأمن الداخلي الأميركية اليوم على منظومات رقمية قادرة على جمع بيانات المواقع الجغرافية، وسجلات السفر، وحركة السيارات، وحتى نشاطات وسائل التواصل الاجتماعي، في إطار ما وصفه التقرير بـ"شبكة مراقبة داخلية متوسعة". 

170 مليار دولار تدفع طفرة أمنية

التحول الأبرز جاء مع تصاعد الإنفاق الفيدرالي على أمن الحدود والهجرة، ووفق تقارير أميركية حديثة، خصصت الإدارة الأميركية نحو 170 مليار دولار ضمن حزمة إنفاق ضخمة مرتبطة بأمن الحدود والهجرة، ما أدى إلى طفرة غير مسبوقة في شركات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية. 

وفي معرض (Border Security Expo 2026) الذي أُقيم في فينيكس، عرضت شركات تقنية أنظمة قادرة على التعرف إلى الأشخاص وتحليل سلوكهم وتتبعهم باستخدام الكاميرات والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار بعيدة المدى، بعض هذه الأنظمة يستخدم الذكاء الاصطناعي للتمييز بين البشر والحيوانات أو اكتشاف ما إذا كان الشخص يحمل حقيبة أو سلاحاً. 

هذا التوسع خلق سوقاً جديدة لشركات مثل (Palantir) و(Airship AI) و(PureTech Systems)، التي باتت تتنافس على عقود حكومية بمليارات الدولارات لتطوير أدوات المراقبة والتحليل البيومتري. 

اقتصاد الخوف والمراقبة

اقتصادياً، يرى محللون أن الولايات المتحدة تشهد توسعاً فيما يسمى "اقتصاد المراقبة"، حيث تتحول البيانات الشخصية إلى سلعة أمنية ذات قيمة مالية عالية، فكلما زادت حملات الهجرة والتعقب، ارتفع الطلب على أنظمة التعرف إلى الوجه، وتحليل البيانات الضخمة، وتقنيات تتبع الهواتف والمركبات.

وتشير تقديرات سوقية إلى أن سوق الأمن والمراقبة الذكية العالمي قد يتجاوز 100 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بالطلب الحكومي المتزايد على حلول المراقبة والهجرة والأمن الداخلي.

كما أن شركات التكنولوجيا الدفاعية الناشئة أصبحت من أسرع القطاعات نمواً في وادي السيليكون، مع تدفق استثمارات رأسمال جريء بمليارات الدولارات. 

تأثير اقتصادي عكسي على سوق العمل

لكن في المقابل، تشير دراسات اقتصادية حديثة إلى أن حملات الاعتقال والترحيل الواسعة قد تحمل آثاراً سلبية على الاقتصاد الأميركي نفسه.

وأظهرت دراسة صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (NBER) أن زيادة اعتقالات (ICE) أدت إلى انخفاض الوظائف ليس فقط للمهاجرين غير النظاميين، بل أيضاً لبعض العمال الأميركيين منخفضي التعليم. 

ووفق الدراسة، فإن كل ستة عمال مهاجرين يخرجون من سوق العمل بسبب الاعتقالات يقابلهم فقدان وظيفة واحدة تقريباً لعامل أميركي، خصوصاً في قطاعات البناء والزراعة والتصنيع التي تعتمد على العمالة المهاجرة. 

كما لم تجد الدراسة أي دليل واضح على ارتفاع أجور الأميركيين نتيجة تشديد الهجرة، بل أشارت إلى أن بعض الشركات خفضت التوظيف والإنتاج بدلاً من استبدال العمالة المهاجرة. 

الزراعة والبناء الأكثر تضرراً

تظهر التأثيرات الاقتصادية بشكل أوضح في القطاعات المعتمدة على العمالة المهاجرة. ففي كاليفورنيا، التي تبلغ قيمة قطاعها الزراعي نحو 49 مليار دولار سنوياً، قدرت دراسات بحثية أن حملات (ICE) المكثفة قد تؤدي إلى خسائر زراعية تتراوح بين 3 و7 مليارات دولار، مع ارتفاع أسعار بعض المنتجات الزراعية بنسبة تصل إلى 12%. 

كما حذرت تقارير اقتصادية من أن نقص العمالة الناتج عن الاعتقالات والترحيل قد يؤدي إلى تباطؤ مشاريع الإسكان والبنية التحتية، في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة أصلاً من نقص العمالة في قطاعات البناء والخدمات. 

شركات التكنولوجيا أكبر المستفيدين

في المقابل، تبدو شركات التكنولوجيا والأمن الرقمي أكبر الرابحين من هذا التحول، فقد توسعت العقود الحكومية مع شركات تحليل البيانات والمراقبة بشكل كبير خلال العامين الماضيين، فيما تحولت تقنيات كانت تُستخدم سابقاً في الحروب أو الاستخبارات إلى أدوات داخلية لمراقبة الحدود والهجرة.

ويرى مراقبون أن ما يحدث اليوم يشبه إلى حد كبير الطفرة التي شهدها قطاع الأمن بعد أحداث 11 سبتمبر، حين أدى تصاعد المخاوف الأمنية إلى إنشاء سوق عالمية ضخمة للمراقبة والأمن السيبراني.

بين الأمن والاقتصاد والخصوصية

ومع استمرار توسع هذه المنظومات، يتزايد الجدل داخل الولايات المتحدة حول الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للمراقبة الواسعة، فبينما ترى الحكومة أن هذه الأدوات ضرورية لضبط الحدود وتعزيز الأمن، يحذر نشطاء وخبراء قانونيون من أن توسع المراقبة قد يطال المواطنين الأميركيين أنفسهم ويعيد رسم العلاقة بين الدولة والخصوصية الفردية. 

ويبدو أن ملف الهجرة الأميركي لم يعد مجرد قضية حدودية، بل تحول إلى اقتصاد متكامل تتقاطع فيه التكنولوجيا والأمن والسياسة ورأس المال، في سوق تتضخم قيمتها كلما تصاعدت المخاوف المرتبطة بالهجرة والرقابة.