خرج قانون الشركات الجديد إلى حيز النور بعد سنوات طويلة من التمحيص والدراسة المتأنية، وصدر القانون في صيغته النهائية ليتوج جهودا بذلتها الكثير من الجهات المعنية، وفي صدارتها وزارة الاقتصاد برئاسة معالي سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد الإماراتي، وصار القانون الجديد بمثابة تتويج عملي لمراحل عديدة، تخللتها الكثير من المناقشات والسجالات على مختلف المستويات، سواء على مستوى كل إمارة على حدة، أو على مستوى اللجان الفرعية، وبالتالي، تدشن الإمارات اليوم حلقة مهمة من حلقات تطوير بنيتها التحتية غير المادية، بما يؤهلها لأن تصبح أحد النمور الاقتصادية في عالم اليوم.

ولعل السبب الرئيسي وراء الفترة الزمنية الطويلة التي احتاجها قانون الشركات لكي يخرج في صيغته النهائية إلى حيز النور يكمن في كونه يعتبر أحد أهم القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية خاصة، وأنه في ظل العولمة والتطورات على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي نشأت كثير من المفاهيم والرؤى التي اقتضت ضرورة مواكبتها على مختلف الأصعدة بشكل يعكس استراتيجية الدولة الرامية إلى التناغم والتطابق مع أفضل المعايير الدولية، خاصة وأن هناك معطيات جديدة على الساحتين المحلية والدولية تقتضي وضع ضوابط واضحة وجلية فيما يتعلق بكيفية عمل الشركات على أسس متينة من الحوكمة الجيدة والإفصاح والشفافية تؤمن مناخ الأعمال من أي ممارسات غير نزيهة.

 

مردودات إيجابية

وبالطبع، فإن إصدار قانون الشركات الجديد سوف تكون له مردودات إيجابية على صعيد مزاولة الأعمال في الدولة، ولا تنحصر حدود هذه المردودات على خفض كلفة مزاولة الأعمال، وتوفير الحوافز اللازمة لتأسيس وتسجيل الشركات الجديدة، لاسيما في قطاع الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، فضلاً عن تعزيز المناخ الاستثماري بشكل عام، بل تمتد لتشمل توفير المزيد من المحفزات لتعزيز ريادة الأعمال، وزيادة الاستثمارات المحلية، والترويج لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية. وذلك في ظل بيئة أعمال أكثر انفتاحاً وتنافسية، وهي مردودات تصب في تعزيز خطى الدولة نحو الارتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة بخصوص الحوافز وكلفة مزاولة الأعمال.

ويتجسد نجاح الدولة في هذا المجال في نتائج تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2012، والذي صدر مؤخراً عن البنك الدولي، حيث جاء تصنيف دولة الإمارات العربية المتحدة الثانية عربياً، في حين تقدمت إلى المرتبة 33 عالمياً، مما يعكس جهود الحكومة في تسهيل وتبسيط بيئة الأعمال في الدولة، إلى جانب سعيها إلى دعم المؤسسات الحكومية وتحفيزها على الابتكار والتميز فيما يتعلق بالخدمات والإجراءات الحكومية ذات الصلة في بيئة الأعمال في الدولة.

ووفقاً للتقرير، فقد حافظت دولة الإمارات على مراكز عالمية متقدمة ضمن الدول العشر الأولى في أربعة محاور، تلخصت في: التجارة عبر الحدود (5 عالمياً)، تسجيل الممتلكات (6 عالمياً)، دفع الضرائب (7 عالمياً)، الحصول على الكهرباء (10 عالمياً)، هذا بالإضافة إلى تحقيق الدولة للمرتبة (12 عالمياً) في استخراج تراخيص البناء.

التوقيت المثالي

وإذا كان صدور قانون الشركات الجيد يعكس اتجاه الدولة نحو تعزيز تنافسيتها العالمية، فإنه جاء كذلك في توقيت مثالي من حيث توفيره الحافز المطلوب لإنعاش الحركة الاقتصادية، بما يدعم قدرة الدولة على مواجهة أي دورات ركود اقتصادي جديدة تضرب الاقتصاد العالمي، وذلك من خلال التركيز على إجراءات خفض التكاليف وتخفيف عامل عدم اليقين، سواء في مرحلة تأسيس الشركات أو تصفيتها.

وكانت دراسة أعدها الدكتور ناصر السعيدي كبير الاقتصاديين في مركز دبي المالي العالمي قد أكدت ان تعديل قانون الشركات يعد أحد الإجراءات الأساسية في السياسة الاقتصادية، التي من شأنها خفض كلفة مزاولة الأعمال، وتوفير الحوافز اللازمة لتأسيس وتسجيل الشركات الجديدة، لاسيما في قطاع الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، فضلاً عن تعزيز المناخ الاستثماري بشكل عام. وقالت الدراسة ان للتعديل الجديد أهمية كبيرة في تعزيز تصنيف الإمارات من حيث سهولة تأسيس الشركات وفقا لتقارير البنك الدولي، كما ستنتقل بذلك إلى المرتبة 29 بدلاً من المرتبة 33 على صعيد سهولة مزاولة الأعمال، فضلاً عن تعزيز المناخ الاستثماري بشكل عام.

ويؤشر إصدار القانون الجديد على توجه السياسة الاقتصادية للدولة نحو تحديث البنية التحتية غير المادية، وتتمثل في الأنظمة القانونية والتشريعية والحوافز الاستثمارية.. الخ، وذلك بعدما قطعت الدولة شوطا مهما ومؤثرا في تطوير بنيتها التحتية المادية، وتشمل الطرق وأنظمة نقل والمواصلات والمطارات والجسور.. الخ، بحيث يتكامل هذان المكونان معا في تشكيل الأساس والقاعدة التي ستنطلق منها الدولة في التعامل مع النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ومن ثم، فإنه بقدر ما أسهمت تلك البنية التحتية المادية في إخراج دولة الإمارات من نفق الأزمة العالمية، فإنه وبالقدر ذاته سيكون لتحديث البنية التحتية غير المادية الدور الضخم في تشكيل معالم أدوار ومسؤوليات الإمارات في النظام الاقتصادي العالمي الآخذ في التشكل والتبلور.

ويسود أوساط المحللين والمراقبين اتجاها يختزل مقومات قوة دولة الإمارات في مكونات بنيتها التحتية من طرق وأنظمة نقل ومواصلات، بجانب مكانتها كمحور رائد للتجارة والمال، وثمنت هذا الاتجاه، الذي هيمن لفترة غير قصيرة، عناصر ومكونات البنية التحتية المادية؛ بأنه أغلى الأصول التي تمتلكها دولة الإمارات .

بيد أن إصدار قانون الشركات الجديد وما سوف يتلوه من قوانين وتشريعات أخرى يعكس نظرة تتزايد أهميتها على نحو مطرد؛ تعتبر البنية «غير المادية» من هيكل قانوني وتجاري بأنها بالغة الأهمية في جهود دولة الإمارات لامتلاك اقتصاد يرتكز على أفضل الممارسات والنظم العالمية، وتجلت هذه التعبيرات في نجاح الدولة منقطع النظير في ارتقاء وضعها وتصنيفها كمكان للأعمال، وهو ما يعكس التطور الحاصل في عناصر ومكونات بنيتها التحتية غير المادية.