تباينت آراء الخبراء المصرفيين والاقتصادين بشأن حجم تأثر القطاع المصرفي نتيجة تفاقم أزمة ديون اليونان والمخاوف من وقوع أزمة مالية جديدة بمنطقة «اليورو»، حيث ذهب البعض إلى وجود تأثيرات بشأن إمكانية انخفاض قيم بعض المحافظ الاستثمارية للبنوك واحتمال تأثر دفاتر الدين للبنوك والقيم السوقية ، بينما أكد آخرون أن البنوك العاملة بالدولة استوعبت جيدا دروس أزمة الرهن العقاري وما تبعها من أزمة مالية عالمية عانت منها معظم دول العالم منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وأعربوا عن اعتقادهم بأن انكشاف البنوك الإماراتية على الشركات والبنوك اليونانية ان وجد فإنه محدود للغاية ويكاد لا يذكر كما أن الانكشاف على البنوك الأوروبية بوجه عام معتدل وبنسب مخاطر محدودة وفي أوعية تتمتع بدرجة أمان عالية.
وأكدوا أن الربط الثابت لسعر صرف الدرهم مقابل الدولار الاميركي ضمن السياسة النقدية في الدولة ساهم في تحقيق الاستقرار النقدي والمالي في الدولة ومواجهة العديد من الأزمات العالمية بكفاءة واقتدار.
وتوقع حسين القمزي الرئيس التنفيذي لبنك نور الإسلامي أن يواجه القطاع المصرفي بالإمارات صعوبات من جهتين في ظل استمرار تدهور الوضع الاقتصادي في منطقة اليورو تتمثل الأولى في إمكانية انخفاض قيم بعض المحافظ الاستثمارية للبنوك حيث قد يستمر الأداء الضعيف لاستثمارات المنطقة في الأوراق المالية الأوروبية لفترة ما أما الثانية فتتمثل في أنه نظراً للارتباط بين أسواق المال العالمية _وسوق الإمارات جزء منها فقد تتكبد محافظ الدخل الثابت ومحافظ الصكوك المحلية بعض الخسائر الحتمية لانخفاض القيمة نظراً لتأثر أسواق المال العالمية ببعضها خلال فترات الضغوط الاقتصادية.
تأثر دفاتر الدين
من جهة أخرى أشار القمزي إلى مخاوف تتعلق باحتمال تأثر دفاتر الدين للبنوك والقيم السوقية. وأضاف: أتوقع في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية في أوروبا أن نشهد بعض الانخفاض في الخطوط الائتمانية بين البنوك من قبل البنوك الدولية إلى المؤسسات المالية في دولة الإمارات، والذي سيؤدي إلى المزيدً من الصعوبات التي تواجه البنوك المحلية في تنفيذ المعاملات اليومية الخاصة بالعملاء. كما يمكن أن يتم فرض قيود مؤقتة على رؤوس الاموال في أوروبا والتي يحتمل أن تودي إلى تباطؤ (أو حتى توقف) الدفعات من وإلى الحسابات بعملة اليورو لدى البنوك في أوروبا.
وقال: بينما تعتبر المخاوف المتعلقة بالتمويل أكثر حدّة، فإننا نتوقع أن يقوم مصرف الإمارات المركزي بتوفير تمويل بعملات مختلفة بدون سقوف مُحددة للمؤسسات المالية في الدولة (ربما من خلال الاستعانة ببعض أنواع ترتيبات المبادلة مع المصارف المركزية الرئيسية في العالم على نحو مشابه لما تم اتخاذه مؤخراً لمساعدة القطاع المصرفي الأوروبي).
كما إن هناك تدابير مباشرة أخرى قد يتطلب الأمر الاستعانة بها على فترات قصيرة الأجل، مثل التعليق المؤقت لبعض المتطلبات المحاسبية لإظهار القيم وفقاً لسعر السوق الفعلي، بجانب الاستعانة بأدوات سوق المال الديناميكية لمساعدة القطاع المصرفي الإماراتي في تطوير أدوات تمويل قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لمواجهة التحديات الكثيرة التي يفرضها عليه دوره لنتمكن من خدمة ومساندة عملائنا في المنطقة وحول العالم.
ربط الدرهم بالدولار
من جانبه توقع صالح عمر عبد الله مدير معهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية فى ابوظبى أن يواصل المصرف المركزي سياسته الخاصة بالاعتماد الأكبر على ربط العملة المحلية الدرهم بالدولار مواصلا سياساته السابقة التي أثبتت نجاحها في معظم الفترات والتطورات.
وقال ان الامارات فضلت ربط الدرهم بالدولار منذ سنوات عديدة بدلا عن تعويمه أو اعتماد سلة عملات عالمية موضحا ان تنامي الاحتياطيات الأجنبية في الدولة من الدولار يعكس النمو السريع في عائدات الصادرات الإماراتية من النفط وبشكل عام إلى الولايات المتحدة واليابان وبخاصة في الأشهر الأخيرة مع تحسن سعر النفط فعندما يستعيد الاقتصاد الوطني الدولارات من خلال بيع النفط المقوّم بالدولار في الخارج يقوم البنك المركزي بتبديل الدولارات إلى العملة المحلية وأحياناً يقوم بشراء الدولارات كاملة من الحكومة والبنوك العاملة بالدولة ليبطئ ارتفاع قيمة الدرهم ويتم استخدام تلك الدولارات لبيعها لدعم الطلب على العملة المحلية وبالتالي منع المضاربات وعادة ما يدعم المصرف المركزي أرباحه من خلال ارتفاع موجوداته من العملات الأجنبية وارتفاع أسعار الفائدة عليها إضافة إلى استثمار جزء من أصوله في سندات أجنبية.
وأوضح ان الدولار لايزال يعد أكثر عملات العالم سيطرة على عملات المخزون العالمي معربا عن اعتقاده بان المصارف العاملة بالدولة البالغ عددها 54مصرفا كان يمكن ان تتأثر سلبا إذا أقدمت الإمارات على خطوة فك ارتباط الدرهم بالدولار عندما كانت هناك دعوات لذلك في فترات سابقة لان معظم استثمارات هذه المصارف مقيمة بالدولار وعملية اعادة التقييم كانت ستؤدي الى خسائر كبيرة لهذه المصارف.
وأكد أن الاحداث الاخيرة في منطقة اليورو برهنت على بعد نظر مسؤولي المصرف المركزي ورجاحة سياسة الدولة النقدية في ربط الدرهم بالدولار الاميركي في ظل ارتفاع الطلب على الدولار منذ اندلاع أزمة ديون اليونان واتجاه البنوك العالمية والمستثمرين إلى الدولار كبديل لليورو والنفط.
فائض عملات كاف
من جانبه أكد عبد الله بن خلف العتيبة المدير العام للمجموعة المصرفية للشركات ونائب مدير عام القطاع المصرفي للشركات والاستثمار ببنك أبوظبي الوطني أن البنوك الإماراتية تتمتع بإدارة عالية للمخاطر ولديها فائض كاف من العملات الأجنبية يمكنها من مواجهة أية مشكلة قد تنجم من أزمة منطقة اليورو الجديدة.
وأشار العتيبة إلى أن الدولار الأميركي في ظل الأوضاع الراهنة أصبح أكثر جاذبية موضحا أن ارتفاع سعر صرف الدولار أثر في ثبات سعر فائدة «الليبور» بالنسبة للدولار بعدما كان في انخفاض مستمر معربا عن اعتقاده بأن ارتفاعات الدولار الحالية مؤقتة، متوقعا أن تتجاوز دول منطقة اليورو الأزمة الجديدة قريبا وأن تعاود أسعار النفط ارتفاعها بعد تجاوز تلك الأزمة.
تماسك ملحوظ
ويرى المحلل الاقتصادي محمد الظاهري أن أسواق الأسهم المحلية لم تتأثر بشكل كبير ومباشر بأزمة منطقة اليورو وأظهرت تماسكا ملحوظا واظهر لمستثمرون تفهما للأزمة مشيرا إلى أن القطاع المصرفي المحلي لا يتوقع أن يتأثر سلبا من هذه التطورات مؤكدا أن المؤشرات تظهر عدم وجود انكشافات للبنوك على أي من سندات دول اليونان وإيطاليا والبرتغال المتعرضة للأزمة الحالية.
وأضاف أن المصارف الإماراتية بدأت تعتمد في سياساتها على مبدأ تحقيق التوازن بين تمويل مشروعات بنسب مخاطرة منخفضة وتحقيق عائد جيد والمحافظة على اموال المساهمين وتحقيق ربحية جيدة لهم دون تعريض آمالهم للمخاطر الغير مدروسة مشيرا الى انه لتحقيق هذا التوازن ستواصل المصارف خلال الفترة المقبلة سعيها للتركيز على تمويل وتقديم التسهيلات للمشروعات التي تفيد خطط التنمية وتساهم في استمرار انتعاش الاقتصاد الوطني لسنوات قادمة وكذلك الاعتناء بتوفير خدمات مصرفية متطورة لعملاء المصرف.
وأوضح أنه من جهة أخرى فان الاسواق المحلية ستستفيد من انخفاض اليورو مقابل الدولار الاميركي وبالتالي أمام الدرهم المرتبط به مما يعني أن السلع والمنتجات المستوردة من أوروبا ستنخفض قيمتها وهذا في صالح الاقتصاد الوطني خصوصا وأن نسبة الواردات الاماراتية من أوروبا كبيرة مقارنة بالواردات من الولايات المتحدة الأميركية المحدودة نسبيا والتي سترتفع قيمتها بسبب ارتفاع الدولار.
مزيد من الضغوط
من جهته قال فيجاي كومار مدير استشارات المخاطر في «دن أند براد ستريت" للدراسات المالية أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي من المتوقع نموها اقتصادياً بسرعة أكبر من دول الاقتصادات الأوروبية لن تكون في مأمن من آثار الأزمة في أوروبا في حال استمرارها أو تفاقمها بشكل أكبر مما عليه الآن. فالمؤشرات الإقليمية هي في أدنى مستوياتها منذ ستة أشهر، كما أن انخفاض سعر برميل النفط إلى أقل من 80 دولار أميركي يعكس المخاوف حول نمو الاقتصاد عالمياً. ومن شأن تفاقم الأزمة الاقتصادية الأوروبية وضع المؤسسات المالية والبنوك في دول الخليج تحت مزيد من الضغوط خصوصاً التي لديها انكشاف كبير مع البنوك الأوروبية التي تعاني مديونات كبيرة في اليونان أو البرتغال مثلاً.
وأضاف كومار: "لا شك في أن تفاقم المشاكل الاقتصادية في أوروبا سيكون لها تداعيات خصوصاً في أسواق الأسهم في حال استمرار منحنى النمو في الانخفاض كنتيجة لإخفاق الأسواق الإقليمية في استقطاب أموال المستثمرين بسبب انعدام السيولة أو عدم التنويع أو عدم القدرة على توليد آفاق جديدة في الأعمال. وسيبقى الطلب على مصادر تمويل جدية ومن ضمنها التخلي عن استثمارات.
وأضاف: "ستبقى مسألة نقص السيولة أمراً شائكاً في الدول الأوروبية التي تتعرض اقتصاداتها إلى هزات عنيفة بسبب مشاكل الديون السياسية، ومع بقاء النفط دون مستوى 80 دولاراً للبرميل ستستمر الايرادات بالتقلص ما يضع مزيد من الضغط على بيانات النمو، لكن المؤسسات المالية في دول الخليج لديها فوائض مالية ضخمة، وأعتقد أن هنالك مخاوف في أسواق المال عالمياً وليس في منطقة معينة وأي سيناريو سيئ محتمل في منطقة اليورو سيزيد من ضغوط الحاجة إلى مزيد من السيولة، والذي يملك السيولة اليوم هو ملك. ولا أرى ان هناك مشكلة لدى البنوك الخليجية، فهي قادرة على مواجهة أي أزمة حدثت أو قد تحدث، والمخاوف هي من تشكل مديونيات محلية وليست خارجية في حال حدوث تعقد أزمات الديون الأوروربية بشكل أكبر.
مصارف الإمارات تعاملت بواقعية مع الأزمة المالية العالمية
قال المحلل الاقتصادي محمد الظاهرى انه منذ اندلاع الازمة المالية العالمية بالنصف الثاني من عام 2008 وآثارها التي امتدت إلى عام 2009 تمكنت مصارف الإمارات من التعامل بواقعية وحذر مع آثار الازمة التي ان كانت قد اظهرت عجزا نسبيا في السيولة وعدم التزام بعض البنوك بالمعدلات الصحيحة المعقولة بين القروض والودائع الا ان البنوك بصفة عامة وعت الدرس جيدا وبدأت تعود بشكل ملحوظ إلى الالتزام بالقواعد المصرفية الصحيحة التي تسمح لها بلعب دور ايجابي في الحركة الاقتصادية مع تحجيم المخاطر إلى أقل حدود ممكنة.
وقال إنه في ضوء ذلك أصبح القطاع المصرفي الإماراتي قادرا على مواجهات أية أزمات عالمية مماثلة ومنها الأزمة الأوروبية الأخيرة.
وشدد على ضرورة ان تتخلى البنوك العاملة بالدولة عن الحذر المبالغ فيه فيما يتعلق بمنح القروض وخطوط الائتمان وعدم اغلاق مصادر التمويل عن قطاعات الاقتصاد المحلي الحقيقي مؤكدا ضرورة عدم اهمال تمويل القطاع الخاص والتركيز فقط على التمويل الحكومي.
واضاف انه على البنوك ان تولي اهتماما خاصا للتمويل الانتاجي الذي يستهدف مشروعات تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ومنها على سبيل المثال القطاع الصناعي والقطاع التجاري.