راهن محللون وخبراء ماليون على أن يؤدي التوجه الجديد للمصارف نحو تكوين محافظ للأسهم إلى انتعاش أسواق الأسهم المحلية، وقدروا بأنه بإمكان المصارف أن تقود حركة تعافي هذه الأسواق بعدما بلغت أسعار الأسهم حد القاع، وذلك على نحو جعل احتمالات صعود الأسعار أكبر من انخفاضها، ولكن بعض الآراء رأت أن توجه المصارف نحو الاستثمار في الأسهم مازال محدودا، حيث إنها ما زالت في مرحلة جس نبض السوق، وأوصت بأن الوقت يعد ملائما لأن تأخذ المصارف زمام قيادة السوق نحو التعافي، حيث ما زالت معنويات أسواق الأسهم المحلية متأثرة بمضاعفات الأزمة المالية، في الوقت الذي تعافت فيه شرائح أخرى من السوق كسوق السندات والصكوك .
وجاءت مراهنات المحللين في ضوء بروز مؤشرات تدل على تبلور اتجاه استثماري لدى المصارف يحبذ الاستثمار في أسواق الأسهم، بغرض الاستفادة من مستويات الأسعار في تحقيق عوائد مجزية للعملاء، ومن بين هذه المؤشرات، إعلان مصرف الهلال الإماراتي إطلاق "صندوق الهلال للأسهم الخليجية"، والذي يوفر للمستثمرين الأفراد فرصة التداول في أسواق الأسهم الخليجية، ويهدف صندوق الاستثمار غير محدد الأجل إلى الاستثمار في الأسهم المطروحة للتداول العام والعائدة للشركات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. حيث إن أسواق الأسهم في دول مجلس التعاون الخليجي توفر فرصاً كبيرة للمستثمرين نظراً لإمكانات النمو الاقتصادي طويلة الأجل في المنطقة، بالإضافة إلى التقييمات الحالية الجذابة لأسواقها.
حصة الأسهم
وفي السياق ذاته، توقع فيرنوي المسئول التنفيذي الأول في شركة الإمارات دبي الوطني لإدارة الأصول أن تتزايد حصة الأسهم ضمن فئات الأصول التي يقوم البنك بإدارتها بناء على تقييم بأن أسواق الأسهم آخذة في التعافي مجددا، بعدما مرت بأوقات صعبة خلال شهري يناير وفبراير الماضيين، بفعل التطورات السياسية التي تجتازها المنطقة، مشيرا إلى أنه لوحظ في مطلع شهر مارس الماضي بوادر تعافي تهيمن على أسواق الأسهم على نحو يحفز على زيادة الاستثمار فيها، بما يرفع من حصتها في محافظ البنك الاستثمارية.
وكان محافظ مركز دبي المالي العالمي السابق قد صرح بأن السوق المحلي بات يوفر العديد من الفرص، خاصة بعد تراجع معدلات التضخم إلى أقل من 1% مقارنة بنحو 12% قبل الأزمة المالية العالمية، وانخفاض الأسعار في قطاعي الأسهم والعقار، حيث إن السوق المالي واعد خاصة مع تراجع قيمة الأسهم وتمكن الشركات المدرجة في أسواق المال المحلية من استيعاب الأزمة، وإعادة هيكلة ميزانياتها، وتحقيق نتائج جيدة سواء في العام 2010 أو الربع الأول من العام الجاري..
انخفاض أسعار الأسهم
رأى جمال صالح رئيس مجموعة إدارة المخاطر في بنك دبي التجاري أن إقبال المصارف على تأسيس محافظ استثمارية للاستثمار في الأسهم يعود إلى انخفاض أسعار الأسهم إلى مستويات تعد مغرية بشكل بالغ للاستثمار فيها، ودلل على ذلك بإشارته إلى أن السعر السوقي لبعض أسهم الشركات يقل عن السعر الدفتري، وهو وضع سعري يغري على الشراء بغرض جني الأرباح لدى صعود السعر .
واعتبر جمال صالح الانخفاض الحالي في أسعار الأسهم بأنه لا يعبر بأي شكل من الأشكال عن أوضاع الشركات، مشيرا إلى أن هناك شركات تتمتع بتماسك مركزها المالي، إلا أنه يجري تداول أسهمها بسعر يقل عن السعر الدفتري.
وأرجع صالح أسباب تراجع أحجام التداول في أسواق الأسهم المحلية رغم جاذبية أسعار الأسهم التي يجري تداولها حاليا إلى ضعف معنويات السوق وتأثر المستثمرين الأفراد بأجواء الأزمة المالية العالمية، فضلا عن تأثر معنوياتهم بالتقارير الإعلامية الغربية المغلوطة بشأن الالتزامات المالية المستحقة على الشركات التابعة لحكومة دبي، مشيرا إلى أن مختلف شرائح السوق قد استعادت عافيتها وازدهارها بما في ذلك أسواق السندات والصكوك، بيد أن أسواق الأسهم بقيت دون سواها على حالها .
دخول المصارف
وقدر صالح أن دخول المصارف أسواق الأسهم للاستثمار فيها يطلق إشارة إلى المستثمرين بأن أسواق الأسهم تنطوي على فرص يتعين اغتنامها، مشيرا إلى أن قيام بعض المصارف بتأسيس محافظ استثمارية للاستثمار في الأسهم قد يحفز مصارف أخرى على سلك المنوال ذاته، ولفت إلى أن تبلور اتجاه لدي المصارف للاستثمار في الأسهم لا يعبر عن عقلية القطيع التي قد تهيمن على سلوك بعض المستثمرين الأفراد، بل يعبر عن قرارات قائمة على حساب دقيق لاتجاهات الطلب والعرض التي تتمحور حول وجود أفق تبشر بتحسن أسعار الأسهم .
وقال صالح إن أسواق الأسهم تعرضت لضربة قاصمة بفعل الأزمة المالية العالمية، حيث تراجعت أسعار أسهمها إلى مستويات تجاوزت التوقعات بشكل كبير، ووصلت في مسارها التراجعي إلى أسقف سعرية غير محتمل أن تتعرض للمزيد من الانخفاض، وهو ما يزيد احتمالات أن تسلك هذه الأسعار مسار الصعود مجددا، ولفت إلى أن اتجاه المصارف نحو تأسيس محافظ استثمارية سوف يطلق رسالة إلى المستثمرين بأن الاستثمار في الأسهم بات يتيح فرصا مغرية، إلى جانب إطلاق رسالة بأن أسعار الأسهم سوف تأخذ مجددا مسار الصعود، ولفت إلى أن عودة الأسعار إلى الصعود مجددا لن ينسحب على كافة الأسهم، بل سوف يصعد بعضها، فيما سيبقي البعض الآخر على نفس مستوياته السعرية.
اتجاه المصارف
ومن جانبه، أقر محمد علي ياسين رئيس الاستثمار في شركة كاب إم للاستثمار بوجود ثمة اتجاه يسود المصارف في الدولة لتكوين محافظ استثمارية تركز على الاستثمار في الأسهم المحلية، وأعزى أسباب هذا التوجه إلى بحث المصارف عن منتجات استثمارية تمتص السيولة المتوافرة لديها بعوائد أعلى من الفائدة على الإيداعات التي تراجعت معدلاتها بشكل كبير، بأن باتت تتراوح بين 1.5 و 2.5 %، مشيرا إلى أن توجه البنوك نحو الاستثمار في أسواق الأسهم المحلية يهدف إلى الحفاظ على عملائها من خلال تحقيق عوائد لهم أعلى من الفائدة على الإيداعات.
ورأى ياسين أن توجه محافظ المصارف نحو الاستثمار في الأسهم يعد توجها طبيعيا في ضوء التراجع الحالي في أسعار أسهم الشركات، ووصول الأسعار إلى مستوى تقل فيه مخاطر حدوث تراجعات أكبر، وتتزايد كذلك عند هذا المستوى احتمالات صعود الأسعار، مشيرا إلى أن استثمار محافظ المصارف في الأسهم المحلية ينطوي على احتمالات كبيرة بتحقيق عوائد مرتفعة للمشاركين في هذه المحافظ .
واعتبر ياسين توجه محافظ المصارف نحو الاستثمار في الأسهم المحلية مازال محدودا في الوقت الراهن، وأوضح أن المصارف تفضل حتى الآن ضخ ما أسماه " بذور أموال " إلى أسواق الأسهم المحلية، أي أنها توجه قدرا قليلا من السيولة المتوافرة لديها للاستثمار في الأسهم بغرض اختبار السوق، وذلك بهدف توجيه أموال أكبر إذا ما نجحت في جني عوائد عالية، وعلل أسباب محدودية أموال محافظ المصارف المتجهة إلى أسواق الأسهم المحلية إلى إتباع المصارف نهجا محافظا وحذرا في التعامل مع أسواق الأسهم، حيث إن مدراء الاستثمار في المصارف المحلية مازالوا ينظرون إلى الاستثمار في أسواق الأسهم المحلية بأنه ينطوي على قدر عال من المخاطر.
عوائد مالية
قدر محمد علي ياسين ان توجه المحافظ الاستثمارية للمصارف نحو الاستثمار في أسواق الأسهم يخدم في إطلاق إشارة إلى المستثمرين بأن الاستثمار في الأسهم يدر عوائد عالية، بيد أنه رأى أن هذه الإشارة لن تسهم بشكل كبير في صعود أسعار الأسهم، بالنظر إلى محدودية حجم السيولة المتجهة إلى أسواق الأسهم، ودعا المصارف بأن تقوم بتوجيه حجم أكبر من السيولة للاستثمار في أسواق الأسهم المحلية لكي يقتنع المستثمرون الأفراد بأن سوق الأسهم قد تعافى بالفعل .
واعتبر ياسين النهج الاستثماري للمصارف في التعامل مع أسواق الأسهم في حالة صعودها بأنه يسهم في تأجيج سخونة هذه الأسعار حتى تصل إلى المستوى الفقاعة، كما أنها تدفع أسعار الأسهم نحو انخفاضات عميقة، إذا ما كان السوق في حالة تراجع.
ودعا ياسين المصارف بأن تأخذ زمام قيادة السوق نحو الانتعاش والازدهار من خلال ضخ مستويات كبيرة من السيولة في أسواق الأسهم المحلية، مشيرا إلى أن إتباع المصارف مثل هذا النهج من شأنه أن يطلق رسالة حقيقية إلى المستثمرين بأن أسواق الأسهم باتت في طور الانتعاش، ورأى أن المسئولية في هذا المجال تقع على عاتق أقسام الخزينة في المصارف، وهي الجهة المسئولة عن استثمار أموال العملاء، وأوضح أن قيام المصارف بضخ أحجام كبيرة من السيولة في أسواق الأسهم لن يسهم في خلق فقاعات سعرية، حيث إن الأسعار في الوقت الحالي عند مستوى القاع .