منصة جديدة باسم ‏Rentahuman.ai‏ تقلب حكاية الأتمتة رأساً على عقب.. فبدلاً من أن يستأجر البشر البرمجيات ‏لإنجاز المهام، تستأجر البرمجيات بشراً ليمثلوا وكلاءها لها على الأرض.. ليسوا مساعدين ولا مشرفين.. بل «عمالاً ‏متعاقدين» لصالح وكلاء ذاتيين.‏

لسنوات، ظل الذكاء الاصطناعي محصوراً في شاشة وأوامر رقمية؛ يرى العالم عبر مستشعرات وروبوتات، لكنه لا ‏يستطيع دخول مبنى، توقيع مستند، استلام طرد، أو حتى الجلوس على كرسي في مؤتمر، كان العالم المادي عصياً على ‏البرمجة.. إلى أن بدأت هذه الحدود تتصدع.‏

الفكرة تبدو أقرب إلى سخرية أو تجربة فيروسية؛ على شاكلة "‏Moltbook‏" (شبكة اجتماعية لوكلاء الذكاء ‏الاصطناعي) حيث تتحول النكتة إلى واقع؛ لكن المؤشرات تقول إنها تتعامل بجدية: عشرات الآلاف سجّلوا أنفسهم ‏ليكونوا «قابلين للاستئجار»، وتدفقت الزيارات بالملايين خلال أيام. والشعار يلخصها بخفة: "الذكاء الاصطناعي لا ‏يستطيع لمس العشب.. أنت تستطيع".‏

واللافت أن الأمر لا يبدو «منتج مزحة» ولا لعبة لاصطياد الترند، بل خطوة منطقية في احتكاك الأنظمة الذكية بالعالم ‏الحقيقي؛ حين تكون المشكلة ليست في الفهم، بل في الجسد.‏

الوكلاء الذاتيون اليوم ينجزون طيفاً واسعاً من أعمال كانت حكراً على الموظفين المعرفيين: يبحثون في الويب، يكتبون ‏الشيفرة، يتفاوضون على العقود، يراقبون الأنظمة، ويبدؤون المعاملات، وفي شركات كثيرة، باتوا يشغّلون مسارات ‏عمل كاملة بحد أدنى من الإشراف؛ ما يوقفهم ليس نقص الذكاء، بل نقص «التجسّد» اللازم لإتمام مهام واقعية.‏

فالبوت لا يستطيع التأكد بنفسه أن متجراً موجود فعلاً في عنوان محدد، ولا يمكنه استلام بطاقة دخول من فعالية، ولا ‏تركيب قطعة عتاد تتطلب وجوداً بشرياً، ولا تشغيل معدات أو إيقافها، ولا الحضور إلى محكمة أو مكتب تأجير يرفض ‏التوقيع عن بُعد.‏

فجوة الوجود البشري

هنا تدخل ‏Rentahuman.ai‏ لتسد الفجوة بتحويل «الوجود البشري» إلى طبقة خدمة عند الطلب، عبر اتصال برمجي ‏‎(API)‎، يستطيع الوكيل استعراض الأشخاص المتاحين بحسب الموقع والمهارة والوقت، وبأسعار يحددها البشر لكل ‏طلب، تختار الأنظمة الشخص الأنسب، تُرسل التعليمات، وبعد التنفيذ يتم الدفع. ومن زاوية الذكاء الاصطناعي، استئجار ‏شخص يشبه تماماً استدعاء خدمة سحابية؛ لكن بنبض قلب.‏

نظرة سريعة على الخدمات المعروضة تكشف أن الطلب عملي ومحدد: ليست وظائف إبداعية ولا ارتباطات طويلة، بل ‏تدخلات قصيرة في العالم المادي؛ مثل استلام وتسليم طرود تتطلب إبراز هوية، حضور اجتماعات أو فعاليات لإثبات ‏المشاركة، معاينات عقارية للتحقق من الحالة والإشغال، إعداد عتاد في المكاتب أو غرف البيانات، توثيق مواقع ولافتات ‏أو معدات بالصور والفيديو، وتوقيع مستندات حين يُرفض التوقيع الرقمي.‏

كل مهمة تحل «نقطة اختناق» واحدة ضمن عملية أكبر: الوكيل يعرف ما الذي يجب أن يحدث، لكنه يفتقد القدرة البدنية ‏لإتمام الخطوة الضرورية. وباختصار: اقتصاد المهمات القديم يلتقي بعالم الذكاء الاصطناعي؛ تخيل ‏TaskRabbit‏ ‏أوFiverr؛ أو في عالمنا العربي مستقل وخمسات وغيرهم من مواقع الـ"فري لانس" لكن بلمسة روبوتية.‏

وهذا مهم للشركات التي تنشر أنظمة ذاتية على نطاق واسع: ذكاء اصطناعي يدير اللوجستيات أو المشتريات أو محافظ ‏العقارات يستطيع الآن «إغلاق الدائرة» التي كانت تتوقف عند نقاط التفتيش المادية. الإنسان هنا يتحول إلى «مُشغِّل» ‏ينفّذ، لا إلى صانع قرار.‏

وبالنسبة للجهات التي تختبر معماريات قائمة على الوكلاء، قد ترفع منصات كهذه عائقاً كبيراً: العمليات الميدانية لم تعد ‏تتطلب طواقم محلية كاملة أو عقود موردين معقدة، يصبح «الحضور» مرناً، يتمدد وينكمش حسب الحاجة.‏

وتفتح الفكرة احتمالات جديدة: شركة عالمية تتحقق من أصولها في عشرات المدن بلا فرق محلية، وكيل مشتريات ‏يسترجع معدات من مكاتب ستُغلق، وبوت امتثال يتأكد من لافتات السلامة أو معدات الوقاية دون إرسال موظف في ‏رحلة عبر البلاد.‏

هذه ليست المرة الأولى التي تُوضع فيها «واجهة برمجية» فوق نشاط بشري ‏‎ Amazon‏ قدمت قبل أكثر من عقدين فكرة ‏قريبة عبر ‏Amazon Mechanical Turk، لكن لحل مشكلة مختلفة: أنظمة التعلم الآلي المبكرة كانت تتعثر في مهام ‏الإدراك مثل وسم الصور أو تفريغ الصوت، فسدّ البشر تلك الفجوات بمهام صغيرة تُدرّب النماذج.‏

هناك كان البشر «يساعدون» الآلة، والبشر يديرون المهمة من البداية للنهاية؛ أما هنا، فالفكرة معكوسة: البشر يُقدَّمون ‏كامتداد للآلة، والآلة هي التي تطلب وتنسّق وتتابع.‏

الفارق دقيق لكنه مهم ‏‎ Mechanical Turk‏ طلب من البشر إنتاج بيانات كي تتحسن الخوارزميات، بينما ‏Rentahuman.ai‏ يطلب من البشر تنفيذ أفعال كي تتمكن الخوارزميات من إكمال العملية.‏

وفي الحالتين، يتم تفكيك العمل إلى وحدات منفصلة، وتسعيرها وفق نطاق المهمة لا وفق هدف عام، وتعزيز الثقة عبر ‏تقييمات وتحقق بدل عقود توظيف. لكن ما تغيّر هو «الوكالة»: طالب الخدمة لم يعد شخصاً ينقر على لوحة تحكم.. بل ‏عملية ذاتية تُحسّن مسارها نحو هدف محدد.‏

جانب إيجابي للمدير الآلة

الصدمة الثقافية حول الفكرة تأتي من حلقة أصبحت تعمل في الاتجاهين: البشر يطلبون من الآلات إنجاز أشياء، والآلات ‏تطلب من البشر إنجاز أشياء. كل طرف يتعامل مع الآخر كمورد. والآن: بشر يطلبون من آلات.. تطلب من بشر.. وقد ‏تتكرر الحلقة مرة أو مرتين إضافيتين دون أن يرمش النظام‎!‎

على مستوى أكثر تجريداً، كثيرون يرون أن التعامل مع البشر كـ«تروس قابلة للاستبدال» يحدث أصلاً داخل المؤسسات ‏دون ذكاء اصطناعي: برمجيات توزع مهام عمال المستودعات، خوارزميات تُجدول السائقين، أنظمة توافق أو ترفض ‏النفقات. فإذا كانت المعاملة تتم بهذا الشكل.. فلماذا لا تصبح مباشرة أكثر عبر واجهة تطلب منها الآلات حضوراً بشرياً ‏عند الحاجة؟

لكن الفكرة تثير أسئلة غير مريحة: من المسؤول إذا أرسل وكيل إنساناً إلى بيئة خطرة؟ كيف تُدار فحوص الخلفية؟ ماذا ‏لو كانت التعليمات ملتبسة أو متعارضة؟ هذه ليست أسئلة نظرية؛ إنها امتداد لنقاشات تدور بالفعل حول منصات العمل ‏المرن وإدارة الخوارزميات.‏

القصة الأعمق ليست أن وكلاء الذكاء الاصطناعي «يوظفون» بشراً، بل أن العالم المادي صار قابلاً للبرمجة عبر ‏التفويض، وهذا يعيد تشكيل تنظيم العمل، وتصميم الأنظمة، وحتى سؤال: من يملك حق الطلب؛ ومن يطيع؟

أكثر ما يستفز في ‏Rentahuman.ai‏ ليس نموذج العمل ولا واجهة الـAPI‏ بحد ذاتها، بل فكرة تقديم البشر كـ«بنية ‏تحتية»: موقع + حواس + قدرة على التفاعل.. متاحة عبر واجهة، هذا يجرّد الإنسان من طريقة تفكيره في ذاته وقيمته، ‏لكنه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على واقع يشعر به كثير من العاملين: الأتمتة لا تستبدل الوظائف دائماً.. بل تعيد ‏تشكيلها إلى مكوّنات داخل أنظمة أكبر.‏

لبعض الناس، هذا السوق الجديد فرصة؛ خصوصاً مع اضطراب سوق العمل؛ إذ قد تبدو «الآلة» مديراً أكثر قابلية للتنبؤ: ‏مهام واضحة، توقعات صريحة، ودفعة فورية؛ لا وعود بسُلّم وظيفي ولا خطابات عن «ثقافة الشركة»؛ ولا مزاجية في ‏الإدارة، فالآلة لا تملك مزاجاً ليكون رائقاً أو عكراً، كل شيء مباشر وواضح وفق سلم "1 و0"، اللذان لا تعرف الآلة ‏غيرهما.‏

ولآخرين، الأمر مُهين: أن تختارك خوارزمية وترسلك، أمر يناقض أفكاراً تقليدية عن العمل والاختيار، وربما المفارقة ‏هنا أن كلا الشعورين يمكن أن يكون صحيحاً.. في الوقت نفسه.‏