أظهرت أبحاث حديثة أن مجموعات إجرامية إلكترونية باتت تستخدم أدوات تجسس متطورة كانت تُستخدم في السابق بشكل رئيسي من ‏قبل أجهزة الاستخبارات وجهات إنفاذ القانون، لاختراق هواتف «آيفون»، في تطور يوسع نطاق التهديدات التي تستهدف مستخدمي ‏هذه الأجهزة‎.‎

ووفقاً لصحيفة «أكسيوس» الأمريكية فهذا التطور تكمن أهميته في أن أي مستخدم لهاتف «آيفون» قد يصبح عرضة لبرمجيات خبيثة ‏قادرة على سحب الرسائل النصية والصور والملاحظات وبيانات التقويم، إلى جانب معلومات شخصية أخرى مخزنة على الجهاز‎.‎

وخلال الشهر الماضي، كشف باحثون من «غوغل» و«آي فيريفاي» و«لوك آوت» عن حملتين استغلتا ثغرات في هواتف «آيفون». ‏

وقال باحثو «غوغل» في وقت سابق من الشهر الجاري إنهم رصدوا مجموعة أدوات اختراق متقدمة تحمل اسم «كورونا»، صُممت ‏في الأصل لصالح جهة حكومية لم يُكشف عنها، قبل أن تصل لاحقاً إلى أيدي مجموعة إلكترونية إجرامية صينية. وذكر موقع «تك ‏كرانش» لاحقاً أن شركة «إل 3 هاريس» المتعاقدة في مجال الدفاع طورت برنامج التجسس لصالح الحكومة الأمريكية‎.‎

وبحسب الباحثين، نُشرت أداة «كورونا» عبر منصات صينية مزيفة للعملات المشفرة والخدمات المالية، ما أدى إلى إصابة أجهزة ‏‏«آيفون» الضعيفة فور زيارة تلك المواقع، من دون الحاجة إلى النقر على أي رابط أو تحميل أي ملف‏‎.‎

وعلى الخادم نفسه، قال الباحثون، الأربعاء، إنهم عثروا على مجموعة اختراق أخرى لهواتف «آيفون» أُطلق عليها اسم «دارك ‏سورد»، ويمكنها إصابة الأجهزة فور دخولها إلى مجموعة محددة من المواقع الإلكترونية، من بينها مواقع إخبارية وحكومية ‏أوكرانية، ضمن ما يعرف بهجوم «حفرة المياه»، وهو أسلوب يقوم على استدراج الضحايا عبر مواقع يثقون بها‎.‎

وربط الباحثون أداة «دارك سورد» بمجموعة اختراق تنشط من روسيا، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه المجموعة ‏مرتبطة بجهة حكومية أو تعمل كشبكة إجرامية بالوكالة‎.‎

سحب البيانات

ووفقاً لشركة «آي فيريفاي»، فإن «دارك سورد» يستطيع، بعد اختراق الجهاز، سحب كم هائل من البيانات، بما في ذلك الرسائل ‏المرسلة عبر «آي ميسج» و«واتساب» و«تيليغرام»، إضافة إلى بيانات الموقع الجغرافي، وجهات الاتصال، وسجلات المكالمات، ‏وإعدادات شبكات «واي فاي»، وسجل التصفح وملفات تعريف الارتباط‎.‎

ورغم أن «دارك سورد» استهدف في هذه الحالة زوار مواقع أوكرانية، فإن باحثي «لوك آوت» قالوا إن مطوريه تركوا الشيفرة ‏الأساسية بلغة «جافاسكريبت» مكشوفة على الخادم، ما يعني أن مجرمين إلكترونيين أقل خبرة قد يتمكنون من نسخ الأداة وإعادة ‏استخدامها ضد أهداف أوسع‎.‎

في المقابل، قالت المتحدثة باسم «أبل»، سارة أورورك، إن الشركة أصلحت بالفعل الثغرات الأساسية في نظام «آي أو إس» التي ‏تستهدفها هذه البرمجيات، وذلك عبر تحديثات صدرت خلال السنوات الأخيرة. وأضافت أن «أبل» طرحت أيضاً، الأسبوع الماضي، ‏تحديثاً أمنياً عاجلاً للأجهزة الأقدم التي لا تستطيع تنزيل الإصدارات الأحدث من النظام، مشيرة إلى أن متصفح «سفاري» بات يحظر ‏نطاقات الإنترنت الخبيثة التي حددتها أبحاث «غوغل‎».‎

وكان امتلاك مثل هذه الأدوات، المعتمدة على ثغرات نادرة وعالية القيمة في هواتف «آيفون»، يقتصر في السابق على جهات حكومية ‏ممولة جيداً، فيما استخدمتها أطراف مرتبطة بدول لمراقبة نشطاء وصحفيين ومسؤولين سياسيين أجانب. إلا أن وصولها الآن إلى أيدي ‏مجرمين إلكترونيين يخفض كلفة تنفيذ هذا النوع من الهجمات ويوسع دائرة الأهداف المحتملة‎.‎

مستويات الأمان

ونقل التقرير عن الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للعمليات في «آي فيريفاي»، روكي كول، قوله إن التدفقات الاستثمارية الكبيرة ‏إلى شركات برامج التجسس التجارية أسهمت في نشوء منظومة متكاملة حول اختراق الهواتف المحمولة، جعلت هذه الأدوات متاحة ‏على نطاق أوسع‎.‎

ويعيد هذا التطور طرح تساؤلات بشأن مستوى الأمان الذي طالما روجت له «أبل» في هواتف «آيفون»، خصوصاً لدى المستخدمين ‏الذين يعطون أولوية للخصوصية أو يعتمدون على أجهزتهم في اتصالات حساسة. وقال كول إن الأبحاث الأخيرة تشير إلى أن هذه ‏الأجهزة قد لا تكون محصنة كما كان يُعتقد سابقاً، مضيفاً أن «كل مستخدم لآيفون بات عليه أن يقلق من هذا التهديد الآن‎».‎

في المقابل، أكدت أورورك أن أجهزة «أبل» صُممت بطبقات متعددة من الحماية لمواجهة مجموعة واسعة من التهديدات المحتملة، ‏وأن فرق الأمن التابعة للشركة حول العالم تعمل بشكل متواصل لحماية بيانات المستخدمين وأجهزتهم‎.‎

وفي جانب آخر، قال جاستن ألبريخت، المدير العالمي لاستخبارات التهديدات المحمولة في «لوك آوت»، إن الجهات التي تقف وراء ‏‏«دارك سورد» ربما استعانت بنموذج لغوي كبير للمساعدة في تطوير بعض أجزاء أداة الاختراق، استناداً إلى طريقة تسمية بعض ‏الملفات. وأوضح أن أحد الملفات المستخدمة في سحب البيانات كان يحمل ببساطة اسم «مستقبل ملفات دارك سورد»، معتبراً أن هذه ‏التسمية غير معتادة في عمليات الاختراق الاحترافية، وقد تعكس ضعفاً تقنياً لدى المجموعة المنفذة‎.‎

وفي الخلاصة، قالت «آي فيريفاي» إن وضع «الإغلاق» الأمني في «أبل»، المصمم للحد من إصابات برامج التجسس، كان قادراً ‏على إيقاف كامل أداة «كورونا»، التي تتوقف عن العمل تلقائياً عند تفعيل هذا الوضع، كما كان يمكنه تعطيل أجزاء من استغلال ‏‏«دارك سورد». ومع ذلك، لا توجد وسيلة دفاع مضمونة بالكامل ضد هجمات «حفرة المياه»، فيما ينصح الباحثون بتحديث الأجهزة ‏باستمرار، وتفعيل وضع «الإغلاق»، واستخدام أدوات حماية خارجية للهواتف المحمولة، رغم الإقرار بأن قدرة المستخدم العادي ‏على اكتشاف هذا النوع من الاختراقات تظل محدودة للغاية‎.‎