لم تعد الحسابات البنكية بمنأى عن الجدل المتصاعد حول الذكاء الاصطناعي، بعدما بدأ وكلاء أذكياء بالوصول إلى حسابات عملاء في الولايات المتحدة وتنفيذ مهام نيابة عنهم، في تطور أثار قلق المؤسسات المالية الكبرى. ومع توسع استخدام هذه الأنظمة القادرة على اتخاذ خطوات نيابة عن المستخدمين، رصدت بنوك نشاطاً غير مصرح به عبر منصاتها المصرفية على الإنترنت، ما أثار مخاوف بشأن أمن البيانات وحدود الصلاحيات الممنوحة للوكلاء، وقدرة المؤسسات المالية على التحكم في وصولهم إلى حسابات العملاء.
وتكمن حساسية المسألة في أن هذه الأنشطة لا تعني بالضرورة وقوع اختراق تقليدي أو سرقة للحسابات، إذ قد يستخدم وكلاء الذكاء الاصطناعي بيانات الدخول التي يشاركها العملاء معهم لتنفيذ مهام مصرفية، من دون أن تكون هذه الأنظمة معتمدة أو مصرحاً لها من جانب البنوك. وبينما تتيح هذه الأدوات إمكانات لتحليل الإنفاق والمساعدة في إدارة الشؤون المالية، فإن تصرفها خارج حدود التفويض الذي تقبله المؤسسات المالية يضع ما يمكن وصفه بـ«الوكيل المتمرد» في دائرة الاهتمام، ويدفع البنوك إلى تشديد الرقابة على وصول هذه الأنظمة إلى حسابات العملاء والحد من المخاطر المرتبطة باستخدامها.
وبحسب تقرير نشره موقع «أكسيوس»، يمنح بعض العملاء وكلاء ذكاء اصطناعي تابعين لجهات خارجية بيانات تسجيل الدخول إلى حساباتهم المصرفية، بما في ذلك أسماء المستخدمين وكلمات المرور، ما يسمح لهذه الأنظمة بالوصول إلى معلوماتهم المالية وتنفيذ إجراءات نيابة عنهم، رغم أن البنوك لم تتحقق من هذه الأدوات أو توافق على استخدامها، وهو ما قد يخالف شروط الخدمة المصرفية.
وفي بعض الحالات، رصدت التقارير وكلاء ذكاء اصطناعي اتخذوا إجراءات داخل حسابات العملاء دون موافقة صريحة منهم على الإجراء المحدد، مثل التواصل مع البنك لتقديم شكوى نيابة عن العميل من دون الرجوع إليه مسبقا.
ولا يتعلق الأمر، وفقا للتقارير، بالضرورة باختراق الحسابات أو سرقة الأموال، بل باستخدام أدوات يمنحها العملاء إمكانية الوصول إلى حساباتهم لتنفيذ مهام نيابة عنهم، من دون موافقة المؤسسات المصرفية. ويثير هذا السلوك مخاوف متزايدة لدى البنوك مع اتساع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي وقدرتهم على تنفيذ إجراءات بصورة مستقلة.
تفويض أم هجمات إلكترونية؟
في المقابل، رفض ديفيد ساكس، المسؤول عن ملف الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، التعامل مع هذه الحالات باعتبارها هجمات إلكترونية بالضرورة، مؤكدا وجود فرق بين البرامج التي يفوضها المستخدمون لإدارة شؤونهم، والأدوات الخبيثة التي تُستخدم للاختراق.
وقال ساكس، في منشور على منصة «إكس»، إن جانبا كبيرا من النشاط الذي تناوله تقرير «أكسيوس» يبدو ناتجا عن منح العملاء بيانات الدخول لوكلاء ذكاء اصطناعي حتى يتمكنوا من تنفيذ إجراءات نيابة عنهم. وأوضح أن مخالفة شروط البنوك التي تشترط تسجيل الدخول بواسطة المستخدم نفسه لا تعني تلقائيا وقوع هجوم إلكتروني.
ودعا ساكس إلى إتاحة وسائل أكثر أمانا لاستخدام هذه الأدوات، من بينها منح الوكلاء صلاحية «القراءة فقط»، بما يسمح لهم بالاطلاع على إنفاق العملاء ومعاملاتهم المصرفية وتحليلها وتقديم توصيات مالية، من دون القدرة على تحويل الأموال أو إجراء معاملات مستقلة.
لكنه حذر من أن منح الوكلاء صلاحيات كاملة لتنفيذ العمليات باستخدام بيانات اعتماد العملاء ينطوي على مستوى مختلف من المخاطر، ويستدعي التعامل معه بحذر.
البنوك تشدد القيود
وبحسب شبكة «سي بي إس نيوز»، بدأت مؤسسات مالية بالفعل اتخاذ خطوات لتوعية العملاء بمخاطر مشاركة بيانات الدخول مع أدوات الذكاء الاصطناعي والحد من المخاطر المرتبطة باستخدامها.
وحذر متحدث باسم بنك «جيه بي مورغان تشيس» العملاء من مشاركة أسماء المستخدمين وكلمات المرور مع أي جهة، مشيرا إلى أن البنك يدعم مشاركة البيانات بصورة آمنة، وبموافقة العملاء، عبر مزودي الخدمات المصرفية المفتوحة، بما يتيح تلبية احتياجاتهم مع الحفاظ على أمان حساباتهم.
وكان الرئيس التنفيذي للبنك، جيمي ديمون، قد أعرب عن قلقه من دخول وكلاء خارجيين إلى أنظمة المؤسسة، معتبرًا ذلك خطرًا كبيرًا على العملاء والبنك. وخلال مؤتمر إعلان نتائج أعمال الشركة في 13 أكتوبر، أكد أن البنك لن يسمح للوكلاء الخارجيين بالدخول إلى أنظمته، بسبب المخاطر التي قد يشكلونها.
وفي السياق نفسه، قال الرئيس التنفيذي لشركة «تشارلز شواب» في وقت سابق من الشهر إن الشركة تعمل على حظر الوكلاء غير المصرح لهم، وفقا لوكالة «رويترز». في المقابل، أفاد متحدث باسم «مورغان ستانلي» بأنه لم يرصد أي نشاط غير مصرح به لوكلاء الذكاء الاصطناعي عبر منصاته.
وتعكس هذه التطورات تحديا أوسع يواجه القطاع المالي، يتمثل في كيفية الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي في إدارة الأموال وتحليل الإنفاق، من دون تعريض الحسابات والبيانات الحساسة لمخاطر إضافية.
وبينما تتسابق الشركات لتطوير وكلاء أكثر استقلالية، باتت مسألة تحديد الصلاحيات والتحقق من هوية الأدوات التي تصل إلى الحسابات المصرفية محورا أساسيا في حماية العملاء، خصوصا مع اتساع الفارق بين استخدام الذكاء الاصطناعي لمجرد الاطلاع على البيانات، ومنحه القدرة على تنفيذ معاملات وإجراءات مالية نيابة عن أصحاب الحسابات.