رصد مراقبون تمحور الخدمات المصرفية في البنوك على تقديم الحلول التمويلية والمنتجات المبتكرة لتلبية مختلف احتياجات المستهلكين، وهو ما جعل البعض يصفونهم مجازاً «بالملوك» في إشارة إلى علو مكانتهم في استراتيجيات أعمال المصارف خلال المرحلة الحالية، ولفتوا إلى أنه رغم أن هذه المنتجات قد جرى طرحها ضمن استراتيجيات المصارف الرامية إلى التأقلم على مناخ الأعمال الجديد الذي تلا مضاعفات الأزمة المالية العالمية بما واكبها من تزايد تحفظ المصارف إزاء منح الائتمان للمقترضين.
حيث بات التوجه الجديد للمصارف يتمحور حول كيفية استقطاب العملاء من خلال تصميم منتجات وحلول تمويلية تتماشى مع مختلف احتياجات المستهلكين، وذلك عوضا عن اتباع المبدأ الذي كان سائدا في سنوات الطفرة الاقتصادية والقائم على وضع «مقاس واحد يناسب الجميع».
وجاءت التعبيرات عن هذا التوجه في سياق تعليقات مسؤولي إدارات خدمات الأفراد المصرفية في البنوك الإمارتية، التي تؤشر ليس فقط على احتدام المنافسة فيما بين بعضها البعض حول استقطاب العملاء، ولكن تؤشر كذلك على سعي كل منها التفرد والتميز في تقديمها للخدمات والمنتجات الائتمانية.
فمن جانبه، قال جمال بن غليطة نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة «بنك الإمارات دبي الوطني» ان استراتيجية التوسع التي يتبناها البنك في الدولة تتميز بالتركيز على التواجد في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والمناطق الجديدة في كل إمارة، وتنطلق هذه الاستراتيجية من هدف رئيسي يتمثل في العمل على الوصول إلى العملاء في كل مكان وإتاحة الفرصة لهم للاستفادة من خدمات البنك ضمن أقصى درجات الراحة والسهولة، حيث تشمل قائمة العملاء المستفيدين من خدمات البنك المصرفية الشخصية طيفاً واسعاً من الفئات العمرية والمهنية من جميع الجنسيات.
الأداء الجيد
وقد حققت إدارة الأعمال المصرفية للأفراد وإدارة الثروات في بنك الإمارات دبي الوطني أداءً جيداً خلال النصف الأول من عام 2011، حيث تمكنت من تحقيق نمو في أعمالها وقاعدة عملائها من خلال التركيز على زيادة الإنتاجية والإيرادات عبر تقديم العديد من المبادرات التي تستهدف تحسين الكفاءة في إنجاز المعاملات وخدمة العملاء.
وبحسب النتائج المالية لبنك الإمارات دبي الوطني عن النصف الأول من العام الجاري، ارتفع حجم إيرادات هذه الإدارة بنسبة 12% في النصف الأول من عام 2011 إلى 1.848 مليار درهم من 1.655 مليار درهم لنفس الفترة من عام 2010، واوعز التقرير أسباب هذا الارتفاع إلى تحقيق نمو بنسبة 13% في صافي دخل الفائدة، ليصل إلى 1.349 مليار درهم بعد أن كان 1.192 مليار درهم.
وإلى تحقيق تحسن بنسبة 8% في دخل الرسوم، ليصل إلى 498 مليون درهم بعد أن كان 464 مليون درهم. وأفادت النتائج المالية كذلك أن التكاليف في إدارة الأعمال المصرفية للأفراد وإدارة الثروات قد ارتفعت خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 11% لتصل إلى 680 مليون درهم في النصف الأول من عام 2011 بعد أن كانت 613 مليون درهم في النصف الأول من عام 2010، وذلك نتيجة لتسارع وتيرة الاستثمار في فرص النمو. ومع ذلك، حققت إدارة الأعمال المصرفية للأفراد وإدارة الثروات تحسناً في نسبة التكاليف للإيرادات بمقدار 0.2% بالنسبة للنصف الأول من العام 2010، نتيجة إلى الزيادة المرتفعة في معدل النمو.
كما ساهم التركيز المستمر في إدارة الأعمال المصرفية للأفراد وإدارة الثروات في التركيز على زيادة الإنتاجية والإيرادات من خلال قيامها بتقديم العديد من المبادرات التي تركز على تحسين الكفاءة في إنجاز المعاملات وخدمة العملاء، وعلى نمو الودائع خلال النصف الأول من عام 2011، وتحديداً في فئات الحسابات الجارية وحسابات التوفير، وتحقيق نمو بمبلغ 8.1 مليارات درهم في ودائع العملاء منذ نهاية عام 2010 ليصل إلى 74.2 مليار درهم.
ومن أبرز إنجازات إدارة الأعمال المصرفية للأفراد وإدارة الثروات في بنك الإمارات دبي الوطني خلال النصف الأول، طرح منتجات جديدة، مثل «سمارت سيفر» و«الحماية المضاعفة» لجميع حملة البطاقات، وشهادات الإيداع المترافقة مع عروض شهادات الإيداع الاعتيادية، بالإضافة إلى ربطها بمنتج مهيكل وبرنامج «بون أبيته» الخاص بالمطاعم وطرح خدمة الأعمال المصرفية للسيدات والرزمة الخاصة بالشباب و«ديوا أونلاين».
وبرنامج القيمة المتبقية المضمونة الخاصة بقروض السيارات، وأخيراً برنامج استرداد 5% نقداً من قيمة المشتريات عند التسوق من خارج الدولة. إضافة لذلك، تواصل إدارة الأعمال المصرفية للأفراد وإدارة الثروات توسيع حصتها في سوق بطاقات الائتمان وأدوات الدين عن طريق تقديم منتجات وخدمات مبتكرة.
وفي السياق ذاته، ازداد توسع شبكة فروع بنك الإمارات دبي الوطني، وهي الأكثر انتشارا في الدولة، بعد إضافة 4 فروع خلال النصف الأول من عام 2011 ليصل مجموعها إلى 109 فروع. كما اكتسب البنك المزيد من القدرات الخاصة بالتوزيع من خلال زيادة شبكة أجهزة الصراف الآلي التابعة له بإضافة 12 جهاز صراف آلي جديد في مختلف أنحاء الدولة، ليصل عدد أجهزة الصراف الآلي وأجهزة الإيداع الذكي التابعة للبنك إلى 633 جهازاً.
كما تم خلال النصف الأول من عام 2011 إجراء تحسينات مهمة على قاعدة الخدمة المصرفية عبر الإنترنت لمصرف الإمارات الإسلامي.
كما تم طرح منتجات جديدة تتعلق بالرهونات للأفراد وبالقروض الشخصية. وقد تم أيضا توسيع شبكة فروع مصرف الإمارات الإسلامي بزيادة فرع في أبوظبي وفرع آخر في الشارقة، مما أوصل العدد الكامل لفروعه إلى 32 فرعا.
وانطلاقا من مبدأ تقديم خدمات ائتمانية تتناسب مع احتياجات فئات معينة من المستهلكين، أطلق بنك «الإمارات دبي الوطني» في يونيو الماضي مجموعة حصرية من الخدمات المصرفية لعملائه في أبوظبي والعين. وتتضمن باقة الخدمات المصرفية الجديدة، المصممة لمنح العملاء الحاليين والمستقبليين قيمة مضافة وخصومات على القروض الشخصية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان والتأمين المصرفي، كما أعلن البنك عن إطلاق هيكلية تسعيرية جديدة لقروض الرهن العقاري لمختلف فئات العملاء بنسبة فائدة متغيرة منخفضة تبلغ 6.99% لمدة عام كامل.
وتعكس هذه الاستراتيجية الجديدة تركيز البنك على تلبية متطلبات فئة المقترضين من المواطنين الإماراتيين، والذي يتجسد من خلال ما يوفره لهم من شروط تفضيلية على قروض الرهن العقاري، حيث يوفر البنك للمواطنين الإماراتيين حالياً تسهيلات تمويلية تنافسية لبناء المنازل وشراء الفيلات الخاصة في مختلف أنحاء دبي وأبوظبي. وتعزز هذه الاستراتيجية قدرة البنك على توفير خيارات عديدة من منتجات التمويل لهذه الفئة من العملاء، بما في ذلك تمويل بناء المنازل، وشراء الفيلات الخاصة وتملك الشقق في مجموعة واسعة من مشاريع التملك الحر.
والجدير بالذكر أن النشرة الإحصائية التي أصدرها مصرف الإمارات المركزي أظهرت زيادة قروض الرهن العقاري المصرفية بنسبة 15% خلال العام الماضي، حيث بلغ حجم هذه القروض 163.19 مليار درهم إماراتي في نهاية العام 2010 مقارنة مع 141.71 مليار درهم إمارتي في نهاية عام 2009. وتشير البيانات الصادرة عن القطاع إلى أنه في ظل معدلات النمو الحالية، سترتفع قيمة سوق قروض الرهن العقاري إلى 200 مليار درهم إماراتي في منتصف عام 2011.
ويوفر بنك «الإمارات دبي الوطني» للمواطنين الإماراتيين خدمات تمويل عقاري تغطي ما يصل إلى 80% من قيمة العقار، معززة بأقساط ميسرة وفترة سداد مريحة تصل لغاية 25 سنة، فضلاً عن تأمين محتويات المنزل بدون أية رسوم إضافية. ويعتبر كل موظف إماراتي يزيد عمره عن 21 عاماً وأمضى ما لا يقل عن 3 سنوات على رأس عمله، مؤهلاً للاستفادة من قروض التمويل العقاري التي تصل إلى 5 ملايين درهم كحد أقصى.
حلول قروض شاملة
وفي السياق ذاته، سجلت شركة «الإمارات المالية» خلال فترة الـ 12 شهراً المنتهية في 31 ديسمبر، 2010 من تسجيل نمو في محفظة قروضها بنسبة 26% خلال عام 2010. وتمكنت خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الثلاث سنوات من توسيع قاعدة عملائها لتصل إلى أكثر من 16 ألف عميل، وهي زيادة تبلغ نحو 36% مقارنة بالعام 2009.
وقد أطلقت شركة «الإمارات المالية» ثلاثة أنواع جديدة من القروض في عام 2010، بما في ذلك القرض مقابل الوديعة الثابتة، والقرض مقابل السيارة، والقرض مقابل الذهب. ويشكل القرض مقابل السيارة حلاً مبتكراً يرتقي بالإقراض المضمون إلى مستويات جديدة من خلال استخدام السيارات غير المرهونة كضمان. بينما يوفر القرض مقابل الذهب، الذي يعد أول منتج من نوعه في دول مجلس التعاون الخليجي، معدلات فائدة تنافسية هي الأدنى في سوق قروض التجزئة ويضمن التخزين الآمن للذهب. وبالإضافة إلى ذلك، تتعاون شركة «الإمارات المالية» مع كبرى شركات التأمين في المنطقة لتوفير خيارات متميزة للعملاء في مجالي التأمين والاستثمار.
حلبة المنافسة
وعلى نفس المنوال، انضم بنك أبوظبي التجاري إلى حلبة المتنافسين على استقطاب العملاء بعدما أصبح واحدا من أبرز اللاعبين في قطاع خدمات الأفراد، وذلك إثر استحواذه على قطاع الخدمات المصرفية للأفراد وأعمال المشاريع الصغيرة والمتوسطة في بنك رويال بنك اوف سكوتلاند بدولة الإمارات العربية المتحدة الذي توقف عن ممارسة الأعمال المستحوذ عليها خلال الساعات المبكرة من صباح يوم الجمعة الموافق 1 أكتوبر 2010. وكان قد تم التوقيع على اتفاقية الاستحواذ بين المؤسستين العريقتين بتاريخ 16 يونيو 2010.
ولقد تجلت أهمية استقطاب العملاء ضن أهداف استراتيجية بنك أبوظبي التجاري في التعليقات التي أدلى بها علاء عريقات، الرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة بنك أبوظبي التجاري في مناسبات عديدة، حيث صرح ذات مرة أن البنك يسعى جاهدا لتقديم أفضل الخدمات المصرفية وأرقى المنتجات المالية لعملائه طبقاً لأفضل المعايير الدولية. كما أكد في مناسبة أخرى بأن البنك يدرك بأن متطلبات واحتياجات العملاء تتطور باستمرار ولذا، فهو دائماً يسعى إلى مواكبة التغيرات الطارئة على هذه المتطلبات والاحتياجات.
إعادة هيكلة
واتبع بنك أبوظبي التجاري النهج ذاته في استهداف فئات معينة من العملاء، فعلى سبيل المثال طرح البنك مؤخرا في إطار إعادة هيكلة دائرة الصيرفة الإسلامية التي أُنشأت في عام 2008 مجموعة متكاملة ومتميزة من المنتجات المالية والخدمات المصرفية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، حيث تم إدخال الكثير من التحسينات والتحديثات المؤثرة على كافة خدمات الصيرفة الإسلامية، سواء تلك المتعلقة بأعمال التمويل أو الاستثمار أو بطاقات الائتمان أو الودائع الاستثمارية لأجل، وبذلك أصبحت معظم الخدمات المصرفية متاحة في نسخة متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وفي السياق ذاته، وقَّع بنك أبوظبي التجاري مؤخراً اتفاقية مع مؤسسة «تعليم» إحدى المؤسسات الرائدة في تقديم الخدمات التعليمية، لتقديم قروض طويلة الأجل متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وينسحب ما سبق على بنك دبي الإسلامي، الذي بات يولي اهتماما كبيرا باستقطاب أكبر شريحة ممكنة من المتعاملين، وهو ما عبر عنه الدكتور عدنان شلوان، رئيس الخدمات المصرفية للأفراد والأعمال في «بنك دبي الإسلامي» بقوله: نحن نركز بصورة أساسية على توفير المزيد من الراحة لعملائنا وتمكينهم من الوصول إلينا بسهولة أكبر، وهو ما نعتزم الاستمرار فيه عبر تعزيز حضورنا في كل أنحاء الإمارات بما يجعلنا أكثر قرباً إليهم. وأضاف «نخطط لتوسيع شبكتنا سعياً منا إلى تلبية احتياجات الأعداد المتنامية من عملائنا الموزعين على مساحات جغرافية متباعدة».
وتجلى نهج بنك دبي الإسلامي في هذا المجال في قيامه بتعزيز محفظة منتجاته عبر إطلاقه في يونيو من العام الماضي ثلاثة حسابات جديدة ومتنوعة، صممت خصيصاً لتلبية متطلبات عملائه بمختلف شرائحهم. وتضم قائمة الحسابات الجديدة: «حساب الإسلامي 2 في 1»، و«حساب الإسلامي الجاري بلس»، و«حساب التوفير الإسلامي عبر الإنترنت»، والتي تمثل أحدث الإضافات إلى محفظة المنتجات المتنوعة التي يقدمها البنك. وجاءت هذه الخطوة في إطار التزام «بنك دبي الإسلامي» بتوفير المنتجات والخدمات المبتكرة والمتوافقة مع الشريعة الإسلامية لعملائه.
وبهذا، بات جليا أن استراتيجيات المصارف في الدولة قد تخلت عن اتباع مبدأ «مقاس واحد يناسب الجميع»، وذلك في إطار جهودها الرامية إلى التأقلم مع بيئة الأعمال الجديدة التي ظهرت على السطح في أعقاب المضاعفات السلبية للأزمة المالية العالمية، وهو الأمر الذي كان له بالغ الأثر في جعل المصارف تعمل على تحقيق الربحية عبر بوابة إرضاء العميل من خلال الاستجابة لاحتياجاته، حتى لو لم تكن على نفس شاكلة احتياجات العملاء الآخرين.