تميز الأسبوع الماضي بتراجع حاد في قيم التداول في أسواق الأسهم المحلية. والذي كان عموماً ظاهرة خليجية نتيجة تزامن شهر رمضان المبارك مع شهر العطلات في أغسطس .

والذي دفع معظم المتداولين للسفر في العطلة السنوية قبل حلول رمضان. غير أن تراجعات أسواق الإمارات كانت الأكثر حدة من بين الأسواق الخليجية. فقد بلغت نسبة قيمة تداولات أسواق الإمارات خلال أيام الأسبوع 1 إلى 21 من قيمة تداولات السوق السعودية و50% من تداولات السوق الكويتي. وذلك بعد أن كانت هذه النسبة هي 1 إلى 3 و 1 إلى 0.8 لكل من السوقين السعودي والكويتي على الترتيب خلال الربع الأول من عام 2008.

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: قد يكون من الصعوبة بمكان تفسير هذا الاتجاه المتراجع لقيم التداول بعيداً عن العوامل النقدية وكمية الأموال المتاحة. ورغم شح البيانات النقدية المحدثة.

والتي كان آخرها لشهر ابريل، أي قبل تطبيق النظام الجديد للخدمات المصرفية للأفراد، والذي شمل القروض الشخصية بنظام احتساب الفوائد وفق القسط المتناقص، فإن مصادر مصرفية أكدت للصحافة المحلية تراجع القروض الشخصية بنسبة 40%.

وربما بأكثر من ذلك، دون أن تتمكن المصارف من تعويض هذا التراجع في الإقراض بمجالات أخرى. غير أن غياب الأرقام لا يمكن أن يجعل هذا الاستنتاج دقيقاً، على الرغم من أن الأرقام السابقة عن علاقة القروض بتراجع قيم التداول ترجح احتمالات صحة هذا الربط بين تراجع القروض الشخصية وتراجع قيم التداول الملفت للنظر بالمقارنة مع الأسواق الخليجية.

بنوك الإمارات والسعودية

وقال الدكتور الشمّاع: تراجع القروض الشخصية بنسبة 40% امر عالي الاحتمال في ظل إصرار المصارف على الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة. وقد أظهرت افصاحات بعض المصارف للربع الثاني من العام الحالي استمرار ارتفاع الفوائد السنوية المستحصلة من قبل المصارف.

فيما بدأت بنوك سعودية خفض سعر الفائدة على القروض الاستهلاكية بتقديم فوائد بنسبة 8 .1% مستهدفة تجمعات الموظفين في الشركات، وذلك كخطوة تصب في مصلحة العملاء، والتي هي دليل على أن البنوك السعودية لديها منافسة يشهدها القطاع المصرفي باتجاه استقطاب العملاء، وهو ما أدى إلى نجاحها في توسيع دائرة الإقراض والتمويل الشخصي بين عملائها السعوديين والمقيمين.

وأضاف: لقد سجلت تداولات شهر يوليو، وبالذات في الأسبوع الماضي، مستوى قياسياً في تراجعها، بحيث ارتفعت نسبة القيمة السوقية إلى قيمة التداول لتصل إلى 4815 درهماً قيمة سوقية لكل درهم من التداول، وذلك بعد أن كان متوسط هذه النسبة هو أقل من 50 درهماً قيمة سوقية إلى درهم واحد من التداول في العام 2008.

وارتفاع هذه النسبة يؤشر إلى حالة سلبية وهي عدم مصداقية الارتفاعات أو التراجعات التي تحدث في المؤشر وفي القيمة السوقية كنتيجة لتراجع عمق السوق. فالأسواق المحلية فقدت، ولا تزال تفقد، عمقها نتيجة لخروج المستثمرين المحليين والأجانب لأسباب على رأسها تراجع السيولة، أو الأموال المتاحة لهم للاستثمار في أسواق الأسهم.

وبهذا فإن التقلبات في المؤشر وفي القيمة السوقية تتم في ظل غياب شبه كامل للعرض والطلب، وهما اللذان يتحددان من قبل عدد محدود من المتعاملين في ظل غياب المستثمرين، وغياب الصناديق والمحافظ، بل وحتى غياب أعداد كبيرة من المضاربين.

وأوضح قائلاً: في مثل هذه الظروف، يمكن لصفقة واحدة ببضعة آلاف من الدراهم أن ترفع المؤشر والقيمة السوقية، خصوصاً إذا ما تمت الصفقة على سهم له وزن ثقيل في المؤشر العام. وبالفعل فقد تمت سابقاً، ولا تزال تتم، صفقات على أسهم مثل أعمار واتصالات بقيمة منخفضة ترفع المؤشر والقيمة السوقية بنسب عالية، دون ان يعبر ذلك عن تزايد أو تراجع حقيقي في الطلب والعرض.

وهذا ما يجعل التغيرات التي تحدث في القيمة السوقية مجرد أرقام لا تعكس الحقيقة، وبالتالي تجعل الأسعار والقيمة السوقية مجرد أرقام إما متضخمة أو دون قيمتها الحقيقية. ويمكن تشبيه هذه الحالة مجازا بانها كالسراب، مجرد وهم كلما تلحقه ابتعد. عروض بيع لا تجد مشترين، فيتم البيع بسعر السوق، الذي كلما لاحقته ابتعد نحو الأسفل، وتبعه تراجع القيمة السوقية.

والواقع، وفي ظل ظروف تراجع وتدني قيم التداول، فإن الأسعار والقيمة السوقية دون قيمتها الحقيقية فيما لو كان للسوق عمق كاف، بحيث يجعل العرض والطلب على الأسهم أكثر تعبيرا عن المعطيات الأساسية للأوراق المتداولة، وعن تفضيلات المتداولين من حملة الأسهم، والذين هم غائبون أو مغيبون في الظرف الراهن.

وبهذا يصبح الارتفاع في القيمة السوقية بمليار درهم لا يعدو كونه تغيراً في الأرقام، بدليل عدم امكانية خروج مستثمر من السوق بصافي مبيعات، وإنه بنسبة منخفضة جدا، من اصل الارتفاع في القيمة السوقية. وإذا ما حدث ذلك فإن القيمة السوقية قد تتراجع ربما بأكثر من مليار درهم.

سرعة تدوير الأموال

وتابع الدكتور الشمّاع: كفاءة التداول وبالتالي عمق السوق لا تعتمد فقط على حجم الأموال المتاحة للتداول فقط وإنما أيضا على سرعة تدوير الأموال وتواصل عمليات البيع والشراء. إذن فهناك عاملان يحددان قيمة التداول اليومية، وهما كمية الأموال المتداولة في السوق، وكفاءة التداول، والتي تعكس عمق السوق.

ومن العوامل المساعدة على سرعة تدوير الأموال ورفع كفاءة التداول وجود الأسهم الحرة بنسبة عالية، وارتفاع النسبة المتاحة لتملك أو لتداول الأجانب عليها في السوق. فكلما قلت الأسهم الحرة، نتيجة لاحتجازها إما من قبل الحكومة أو من قبل مستثمرين لا يعرضونها للتداول، كلما قلت كفاءة التداول، وتراجع تبعا لذلك عمق السوق.

ومن جانب أخر فكلما ارتفعت نسبة الأسهم المتاحة لتداولات الأجانب كلما ازداد عمق السوق. ومنذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، حيث كانت الأسواق عميقة بما فيه الكفاية بسبب ارتفاع كفاءة التداولات، تراجع هذا العمق إلى مستويات متدنية.

ويثير انخفاض قيم التداول، خصوصا في الأسبوع الماضي، والذي يعني تراجع كفاءة التداولات، التساؤل عما إذا كانت الأسواق الخليجية الأخرى، باستثناء البحرين، تعاني من نفس الظاهرة، والتي يمكن قياسها من خلال نسبة القيمة السوقية إلى قيمة التداول.

والملاحظ، طبقاً للتقرير، أن كفاءة التداول مرتفعة في كل من المملكة العربية السعودية وتليها قطر ثم عُمان، فيما تنخفض في الكويت والإمارات. وهنا تصبح معرفة العوامل التي تؤدي إلى ذلك مسألة في غاية الأهمية لمعالجة الحالة، وهي انخفاض كفاءة التداول.

عوامل ارتفاع كفاءة التداول

وقال الدكتور الشمّاع: استطاعت السوق السعودية المحافظة على كفاءة تداولات مرتفعة بفضل تبنيها نظام اتفاقيات المبادلة، الذي مكنها بعد أغسطس 2008 من المحافظة على قيمة تداولات مرتفعة، أبقت نسبة القيمة السوقية مرتفعة بالمقارنة مع بقية الأسواق الخليجية، حتى بعد أن تراجع حجم الأموال المتداولة في السوق في أعقاب الأزمة المالية العالمية.

وعندما نشير إلى أن نظام اتفاقيات المبادلة أسهم في إبقاء كفاءة التداولات مرتفعة في السوق السعودي، فإننا نشير إلى دوره في التخفيف من حدة تراجع قيم التداول، وبالتالي في الإبقاء على نسبة القيمة السوقية إلى قيمة التداول منخفضة، مما يعني ارتفاع كفاءة التداول، فلا بد من الاستفادة من هذه التجربة في الإمارات بهدف زيادة عمق الاسواق.

والواقع أن اتفاقيات المبادلة، التي أقرتها السعودية في أغسطس 2008، قد وفرت إمكانية الاستثمار في الأسواق المالية دون التملك النهائي للأسهم، ودون حق التصويت، ولكن مع كافة الفرص التي يتوخاها المستثمر الأجنبي، وهي تحقيق الأرباح الرأسمالية.

وتتم عمليات الاستثمار الاجنبي في الأوراق المالية السعودية عن طريق الشركات المرخص لها (شركات الوساطة) من هيئة السوق المالية، إذ تقوم شركة الوساطة بشراء أسهم في السوق المالية السعودية نيابة عن المستثمر الأجنبي، مع احتفاظ شركة الوساطة بملكية تلك الأسهم، فلا تُنقل ملكية تلك الأسهم للمستثمر الأجنبي، بل يحصل على المنفعة الاقتصادية فقط، مما يعني عدم تمتعه بحقوق التصويت، إذ تبقى الملكية لدى شركات الوساطة.

متطلبات الملكية ورفع الكفاءة

ووفق اتفاقيات المبادلة لا يملك المستثمر الأجنبيّ الأسهم بل تكون ملكيتها للوسيط، ولذلك لا يحق له التصويت في الجمعيات العامة، في حين تكون من حقه التوزيعات النقدية أو أسهم المنحة التي توزعها شركات المساهمة، ومن حق المستثمر الأجنبي أيضاً تحديد قرار بيع السهم أو الشراء من خلال تعاقده مع الوسيط.

وقال الدكتور الشمّاع: لعل هذا الأسلوب، الذي وازن بين المتطلبات الشكلية للمحافظة على الملكية ومتطلبات زيادة عمق السوق ورفع من كفاءتها، هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع الاستثمار الاجنبي، دون إلغاء الحد الأدنى من التملك الحر، وبإمكان الشركات التي تحظر على الأجانب التملك فيها، كاتصالات مثلا، تطبيق هذا الأسلوب. كما يمكن تطبيقه بعد الحد الأعلى لما تحدده الشركات من حصة للأجانب.

رد فعل السياسة النقدية

وقال الدكتور الشمّاع: إذا كان رد فعل السياسة النقدية وصناعها بطيئاً، واستجابة المصارف لمتطلبات النمو بعيدة المنال، في ضوء تفضيلها تعظيم الأرباح على تعظيم النمو، فإن رفع كفاءة التداول عن طريق إجراءات تنظيمية، بات من الأمور الملحة التي تسعى لها هيئة الأوراق المالية والسلع.

وقد كانت قد أمنت الكثير من متطلبات إدراج أسواق المال ضمن المؤشرات العالمية التي يمكن ان تستقطب الأجانب. غير أن من الضروري الالتفات إلى فكرة الاستفادة من تجربة السعودية في نظام اتفاقيات المبادلة، والذي يمكن أن يوفر مزايا عديدة للمستثمرين المواطنين، بالإضافة الى كونه قد يساعد على تحسن صورة الاسواق الإماراتية في أذهان المستثمرين الاجانب.

وتطبيق اتفاقية المبادلة لا يعني التخلي عن نسب التملك الحر المتاح في العديد من الشركات حاليا، وإنما تعني تطبيقه على الشركات المدرجة التي لا يجوز للاجانب الاستثمار فيها حاليا. كما يمكن الاستفادة من هذا النظام في حالة وصول الأجانب الى نسبة الحد الأعلى المتاح لملكيتهم في شركة معينة، حينذاك يمكن الاستثمار في الأسواق المالية دون التملك النهائي للأسهم ودون حق التصويت، ولكن مع كافة الفرص التي يتوخاها المستثمر الأجنبي، وهي تحقيق الأرباح الرأسمالية، على ان ينتقل المستثمر حسب الأولوية الى التملك الحر عند أول شاغر في نسبة التملك الحر.