أكد التقرير الأسبوعي للمستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع أن تحسن أداء أسواق الأسهم المحلية، من خلال تحسن مستويات السيولة خلال الأسابيع الماضية، ليس مصادفة في ظل ظروف يفترض أن تؤثر سلبا في أدائها والمتمثلة بعدم وضوح الرؤية لآفاق المستقبل السياسي في المنطقة العربية.
وأشار إلى أنه من أهم العوامل التي خلقت التفاؤل، وعززته بالواقع الملموس، التغيرات التي جرت وتجري لهياكل الإنفاق العام في العديد من دول الخليج والتي تصب جميعها في رفع مستوى التدفقات النقدية باتجاه الإمارات. ومعلوم أن الاقتصاد يعمل بما يشبه قاعدة الأواني المستطرقة في الفيزياء.
والتي تسمح بنفاذ السيولة في الاقتصادات المنفتحة على بعضها بحكم السوق المشتركة. وهناك تقديرات لإمكانية زيادة الإنفاق الحكومي على مجالات رفع مستويات الرفاه تقدر قيمتها بحوالي 135 مليار دولار أو ما يعادل قرابة نصف تريليون درهم إضافي خلال الخمس سنوات القادمة بمعدل 50 مليار درهم سنويا معظمها في السعودية.
ولأن الإمارات هي الدولة الخليجية الأكثر استقرارا وأمنا والأكثر استقطابا للأعمال بما توفره من بيئة مجتمعية واستثمارية ومادية، فمن المتوقع أن تتجه السيولة الاستثمارية نحو العمل في الإمارات، وبما يتناسب مع سعة القناة الاستثمارية الإماراتية بالمقارنة مع القنوات الاستثمارية للدول الأخرى.
وأضاف التقرير: من العوامل الدولية المؤثرة في توقعات تحسن السيولة التعافي المتسارع الذي يشهده الاقتصاد العالمي، والذي يمارس تأثيرا نفسيا كبيرا على ثقة المستهلك في الإمارات المنفتحة على الاقتصاد العالمي.
فالأفراد والمؤسسات القابضة على السيولة تبدأ نفسيا بإرخاء قبضتها والتوجه نحو الإنفاق، وخصوصا الاستهلاكي، والذي يعزز التدفقات النقدية في الاقتصاد، وبالتالي يسمح بزيادة التدفقات الداخلة للأفراد والمؤسسات وبما ينعكس على مستويات السيولة لدى المصارف.
ولعل مما يضيف إلى تعزيز الثقة التحسن الهائل في أسعار النفط والتي توفر المناخ المناسب للحكومة والقطاعين العام والخاص لرفع مستويات الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي.
مؤشرات على تحسن السيولة
وقال الدكتور الشمّاع: إن ما نراه اليوم من تحسن في الأداء سواء على مستوى المؤشر العام أو على مستوى قيم التداول يعود إلى مجموعتين من العوامل، الأولى تتصل بأداء الأسواق ذاتها والشركات المدرجة، والثانية تتصل بالجوانب الاقتصادية الكلية ذات الصلة بالسيولة.
وفيما يتعلق بالمجموعة الأولى، نستطيع أن نشخص الإجراءات التي ما انفكت هيئة الأوراق المالية والسلع باتخاذها من أجل ترقية الأسواق ضمن معايير التصنيف الدولية المعتمدة.والتي تؤثر في استقطاب الاستثمارات الأجنبية للسوق. وقد ارتفع المعدل اليومي لصافي مشتريات الأجانب غير العرب الأسبوع الماضي إلى 28,5 مليون درهم، وهو معدل لم تعرفه السوق منذ سبتمبر 2010.
ومن بين هذه الإجراءات التي تم اتخاذها مؤخراً إطلاق المؤشر الجديد لسوق الإمارات للأوراق المالية، والذي تم بموجبه توحيد التصنيف القطاعي للشركات المدرجة في الأسواق المالية بالدولة،.
وإعادة توزيع الشركات على تلك القطاعات بما يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية المعتمدة، إلى جانب إطلاق آلية التسليم مقابل الدفع، وتفعيل إجراءات الحوكمة، وغيرها مما تطالب به الجهات ذات الصلة بتصنيف الأسواق وترقيتها إلى مرتبة الأسواق الناشئة.
ودخول الأجانب غير العرب، وخصوصا المؤسساتيين منهم، يخلق آلية ذاتية تولد الارتفاع المستدام بفعل ما يخلقه دخول هذه الشريحة من المستثمرين من ثقة بالمستقبل تؤدي إلى دخول المستثمرين المحليين والعرب من دول الجوار.
ارتفاع قيم التداول بالشيكات
والمجموعة الثانية والمتصلة بتحسن مستويات السيولة يمكن الاستدلال عليها من خلال بعض المؤشرات بموجب آخر ما استجد من بيانات المصرف المركزي. وأهم هذه المؤشرات ارتفاع قيم المعاملات والتسويات المالية، بدلالة ارتفاع قيمة وأعداد الشيكات المستخدمة والمسحوبة.
فبعد الأزمة المالية وكنتيجة لشح السيولة تزايدت أعداد الشيكات المرتجعة، وتراجع التعامل بالشيكات، أو في الأقل تأخر التداول بها لحين التأكد من وجود رصيد واكتمال عملية المقاصة. ولكن مع تحسن مستويات السيولة، التي بدأت بالتدفق على الدولة، تحسن بشكل واضح التعامل بنقود الشيكات لتسوية المعاملات، فمن حيث أعداد الشيكات المسحوبة فقد لامست أعلى الأرقام المسجلة منذ عام 1994 حيث وصلت إلى 2,5 مليون شيك في مارس. أما قيمة الشيكات فقد سجلت في نفس الشهر أعلى قيمة تاريخية لها حيث وصلت إلى 101 مليار درهم، بارتفاع قدره 22٪ عن شهر فبراير الماضي، وبنسبة 36٪ عن أدنى مستوى سجله التداول بواسطة الشيكات في شهر سبتمبر من العام .
وتعكس هذه النسب مقدار التحسن في قيم مختلف التداولات في الاقتصاد، والتي تعني الكثير في الجانب النفسي للمتداولين. فزيادة القبول بالتسوية بالشيكات يشعر المتداولين بانفراج مسألة السيولة، خصوصا بعد أن أعلنت شركتا دبي العالمية ونخيل عن تسوية ديونهما مع الدائنين. ولا شك أن هذا الارتفاع في القيم، التي تمت تسويتها بواسطة الشيكات، يأتي أيضا كنتيجة لانتشار أثار طريقة التسوية التي اتبعتها نخيل مع الدائنين الذين تقل ديونها عن 500 ألف درهم، حيث قامت بالتسديد النقدي لهم، وبما جعل اثأر هذه الطريقة تنتشر إلى أعداد كبيره من الدائنين والمدينين بعضهم للبعض الآخر.
وجاء تحسن الثقة وعودة ارتفاع قيم الشيكات المقدمة أو المسحوبة نتيجة لتحسن مستويات السيولة، ولكن بالدرجة الأساسية لانعكاس تحسن مستويات السيولة على الشيكات المرتجعة. وطبعا فإن الأرقام المطلقة لعدد الشيكات المرتجعة لا تعطي صورة حقيقة عن المرتجع من هذه الشيكات، المهم هو أن تتراجع نسبة قيمة الشيكات المرتجعة وأعدادها إلى قيمة وأعداد الشيكات المقدمة أو المسحوبة.
إذ كلما زاد عدد هذه الأخيرة كلما زادت احتمالات المرتجعة منها. لذا فإن نسبة المرتجع من الشيكات إلى المسحوب منها هو الذي يجب أن يكون المؤشر على عودة الثقة والسبب في ازدياد التعامل بالنقود المصرفية. فنسبة قيمة الشيكات المرتجعة إلى قيمة الشيكات المقدمة أو المسحوبة وصلت إلى أدنى مستوى لها في شهر مارس الماضي منذ بداية 2009، كما أن نسبة عدد الشيكات المرتجعة إلى عدد الشيكات المسحوبة أو المقدمة عاد إلى نفس المستوى الذي كان عليه في بداية 2009.
العروض التمويلية
وتفسير العلاقة العكسية بين الإيبور وارتفاع القروض المصرفية هو تحسن مستويات السيولة لدى المصارف، والتي يتوافق العديد من مؤشرات تحسنها مع بعض الدلائل النوعية التي تصدر عن جهات ذات صلة، ولعل أهم هذه الدلائل هو العروض التمويلية التي طرحها مصرف أبو ظبي الإسلامي في سيتي سكيب ابوظبي 2011 والإعلانات المسموعة والمرئية المتضمنة تمويلات بحد أقصى للمواطنين بقيمة 8 ملايين درهم و5 ملايين درهم للوافدين ومعدلات ربح على التمويل تبدأ من 5,5٪.
حيث يقوم البنك بموجب هذه العروض بتمويل 80٪ من قيمة العقار للمواطن و60٪ للوافد بفترة سداد تصل إلى 25 عاماً بحد أدنى للراتب 10 آلاف درهم للمواطن و20 ألف درهم للوافد، وكذلك العرض التمويلي الذي طرحته شركة أبو ظبي للتمويل بأسعار فائدة تبدأ من 5,75٪، ويصل حد التمويل إلى 85٪ من قيمة العقار، ومدة التمويل إلى 30 عاماً أما عن العوامل التي تقف وراء تحسن مستويات السيولة لدى المصارف فهي عديدة محلية وإقليمية وعالمية وسبق أن اشرنا إليها في الأسابيع الماضية.
تيسير الإقراض العقاري
وطبيعي أن أسعار الفائدة هذه التي تتراوح ما بين 5,5 إلى 6٪ تعتبر مرتفعة جدا مقارنة مع 2 إلى 3٪، وهي الأسعار السائدة عالميا. وتصبح هذه الفوائد تعجيزية إذا ما تم احتسابها بطريقة القسط الثابت، أي دفع الفوائد سنويا على كامل المبلغ المقرض بعد تقسيمه على مدة القرض، وهي الطريقة التي منعها المصرف المركزي فيما يتعلق بالقروض الشخصية والسيارات والسحب على المكشوف. ولكن إذا ما انخفضت أسعار الفائدة إلى نصف ما هي عليه الآن، فإن القروض المصرفية في ظل العروض المطروحة تصبح ميسرة على مدى الفترة الطويلة. وهنا لا بد من مواجهة مشكلة العلاقة المترابطة السببية بين العقار وأسواق الأسهم.
فلكون غالبية المستثمرين في سوق العقار هم مستثمرون في سوق الأسهم، فإن هبوط احدهما يدفع المستثمرين المدينين لتسييل أصولهم في السوق الأخرى لتسوية التزاماته المدينة. واستمرار وجود هذه العلاقة السببية بين العقار والأسهم يحول دون تحسن أي منهما. فإذا ما تحسنت أسواق الأسهم، لسبب ما، كما يحدث الآن فسرعان ما تظهر موجة تسييل، بسبب الالتزامات المدينة في العقار، تدفع باتجاه تراجع الأسواق المالية. الحالة المعاكسة أقل احتمالا وأكثر صعوبة.
حيث ليس من السهولة أن يقوم المالك العقاري المعسر ببيع العقار إذا ما ارتفعت أسعاره لغرض تسديد التزامات مدينة في سوق الأسهم. إذن علاقة سببية تجعل أهم سوقين تختزنان ثروة المواطنين تبقيان متراجعتين الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات فعالة لتيسير الإقراض العقاري، الذي بدأت بوادره بالتحسن، ولكن باسعار فائدة اقل ما يمكن القول بشأنها أنها مرهقة وغير مجزية للمقترض المستثمر.
سعر الفائدة في الدولة
إن أحد أهم أسباب ارتفاع أسعار الفائدة على القروض في الإمارات هو ارتفاع سعر الفائدة بين البنوك العاملة في الدولة (الإيبور). وهنا لابد من توضيح الكيفية التي بموجبها يتحدد الإيبور والليبور. فكلاهما يعبران عن السعر الذي تعرضه البنوك، سواء في الإمارات أو في الأسواق العالمية، لإقراض بعضها البعض الآخر، فالمقرض هو البنك الذي لديه سيولة تزيد عن حاجته، والمقترض هو البنك الذي يحتاج إلى السيولة لمواجهة المتطلبات اليومية من السحب النقدي عليه. والبنك الذي يعرض الإقراض بسعر معين يأخذ بالاعتبار وفرة السيولة لدية من جهة وعائد الفرصة البديلة لتوظيف هذه السيولة من جهة أخرى.
والفرصة البديلة قد تكون خارجية، وهي سعر الليبور، وأسعار القروض قصيرة الأجل للمصارف في مختلف الدول المتقدمة ذات العملات الرئيسية. كما قد تكون الفرصة البديلة داخلية متمثلة بسعر الفائدة المرجعي او شبه المرجعي.
وفي اقتصاد السوق الحر لا يمكن أن نتصور أن أي بنك يمكن أن يعرض قروضاً لمصارف أخرى بعائد يقل عن عائد الفرصة الأفضل المتاحة له. إذن فأقل سعر يعرض من قبل مصرف لإقراضه لمصارف أخرى لا يقل عن فرصة التوظيف المتاحة، مع الأخذ بالاعتبار أمد التوظيف البديل وسرعة تسييله.
وفي الإمارات فإن الفرصة البديلة للمصارف لتوظيف السيولة مع هامش كبير من إمكانية تسييلها هي شهادات الإيداع، التي تتيح إمكانية التسييل من خلال نظام الشراء العكسي. لذلك فإن المصارف عند تحديدها لسعر الإيبور فإنها لا تنزل في ذلك عن سعر الفائدة على شهادات الإيداع، والذي يمثل عائد الفرصة البديلة.