نحن لا نتحدث عن منافسة تجارية عابرة، بل عن صراع وجودي على "هوية النظام العالمي" القادم، حيث تهدف التعددية القطبية الناشئة إلى إنهاء قرن من الهيمنة المنفردة وإحلال توازن جديد تقوده القوى الصاعدة في الجنوب العالمي.
ويؤكد الخبراء التقنيون أن هذا النظام البديل لسويفت (SWIFT) يهدف لخفض الاعتماد على الدولار في التسويات البينية، مما يوفر مليارات الدولارات سنوياً من عمولات التحويل، ويمنح دولاً مثل الصين والهند والبرازيل حصانة سيادية ضد الضغوط المالية الخارجية.
وتتصدر الهند القائمة بمشاريع بنية تحتية كبرى، تليها البرازيل بمشاريع الطاقة المتجددة.
أما الأعضاء الجدد مثل مصر وإثيوبيا، فقد بدأوا في حصد ثمار العضوية عبر تمويلات ميسرة لمشاريع المياه والتحول الرقمي، مما عزز من قدرتهم على النمو المستدام بعيداً عن الشروط القاسية للمؤسسات الدولية التقليدية.
"وفي مواجهة هذا الصعود، لم يقف المعسكر الغربي مكتوف الأيدي؛ إذ أطلقت واشنطن بالتنسيق مع بروكسل تحركات استراتيجية كبرى، تصدرتها مبادرة 'البوابة العالمية' (Global Gateway) التابعة للمفوضية الأوروبية، بميزانية مرصودة تقارب 300 مليار يورو.
وبحسب تقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA)، تهدف هذه التحركات إلى كسر التبعية وتأمين سلاسل إمداد 'سيادية' للمعادن النادرة بعيداً عن السيطرة الشرقية؛ حيث تهيمن دول 'بريكس+' حالياً على أكثر من 70% من موارد الليثيوم والكوبالت الضرورية لصناعات المستقبل. وبالتوازي مع ذلك، وبالاستناد إلى قرارات وزارة التجارة الأمريكية (BIS)، شددت واشنطن قيودها على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، في خطوة استباقية لضمان بقاء التفوق التقني النوعي حصرياً ضمن دائرة مجموعة السبع."
وتسعى نيودلهي لربط أسواق الكتلة عبر بنية تحتية رقمية موحدة تساهم في خفض تكاليف التجارة البينية بنسبة 15%. هذا التوجه يعزز من مكانة "بريكس+" كقطب تكنولوجي مستقل ينافس "وادي السيليكون"، ويجذب المزيد من الدول الطامحة للاستقلال عن المركزية الغربية.
هذا التباين، الذي ترافقه سيطرة الكتلة على 43% من إنتاج النفط العالمي، يعلن رسمياً بداية ربيع التعددية وخريف القطب الواحد، حيث تُكتب القواعد اليوم في عواصم القوى الصاعدة من بكين ودلهي إلى القاهرة وبرازيليا.
