ضريبة التطور على وجه الأرض أن تظهر وظائف ويعلو شأنها، ويخفت نجم وظائف أخرى وتذبل وتختفي، فزمان كان صانع الطرابيش في مصر وتركيا حرفي تتهافت عليه المصانع والمتاجر، وبعد أن أصبح لا أحد يرتدي الطربوش، اختفت الوظيفة، وأصبحت تاريخ تتحاكى به الأمم، ومع دخول الذكاء الاصطناعي، كان الهم الأكبر أمام العديد من المراقبين هو أن تختفي وظائف بسببه، ولكن ظهرت بسببه وظائف، ولكن وظيفة واحدة ظهرت بسبب الذكاء الاصطناعي، وقضى عليها الذكاء الاصطناعي نفسه في شهور، لتصبح أسرع مهنة تظهر وتختفي في التاريخ، فكيف حدث ذلك في أقل من عامين؟
في مشهد تكنولوجي متسارع، لم تشهد وظيفة في العقد الأخير صعوداً صاروخياً وهبوطاً دراماتيكياً كما شهدت وظيفة "مهندس الأوامر Prompt Engineer" فبعد أن كانت حديث العالم في مطلع عام 2023، وتصدرت قوائم "وظائف المستقبل" برواتب فلكية، وسعى لها العديد من المتطلعين لشغلها، باتت اليوم مثالاً حياً لما يُعرف في عالم التحليل التقني بـ"الضحية المثالية لدورة حياة الضجيج".. فما هي قصة الوظيفة التي استحدثتها التكنولوجيا، ثم التهمتها التكنولوجيا ذاتها عبر تطورها الذاتي.
بداية ما هي "دورة حياة الضجيج"؟ فلفهم ما حدث لمهندسي الأوامر، لا بد من العودة إلى أصل المصطلح الذي يحكم وادي السيليكون، وهو "دورة حياة الضجيج "Gartner Hype Cycle يعود هذا المفهوم إلى مؤسسة الأبحاث والاستشارات الأمريكية الشهيرة "غارتنر"، التي ابتكرته في تسعينيات القرن الماضي، وتتلخص فكرته في أن أي تكنولوجيا جديدة تمر بخمس مراحل حتمية: تبدأ بـ"محفز الابتكار"، ثم تصعد بسرعة جنونية إلى "قمة التوقعات المفرطة"، قبل أن تهوي إلى "قاع خيبة الأمل"، لتستقر أخيراً في "هضبة الإنتاجية".
هي دورة حياة كاملة لأي مفهوم تكنولوجي أو ابتكار معرفي، وحتى للوظائف، ووظيفة "هندسة الأوامر"، بدأت مع صعود نجم الذكاء الاصطناعي بنماذجه المتعددة، وكان عبارة عن شخص يجيد صياغة الأوامر بلغة يفهمها نموذج الذكاء الاصطناعي لإخراج أفضل نتيجة بتوليد الشيء المراد توليده، ومع بداية الوظيفة وصعود نجمها قطعت مراحل دورة حياة الضجيج بسرعة قياسية غير مسبوقة، حيث انتقلت إلى قمة الوظائف في غضون أسابيع من ظهورها، وصارت رواتبها فلكية ووصلت لقمة الوظائف المطلوبة.. وبمثل سرعة الصعود جاء الهبوط في أقل من 24 شهراً.
وهم الـ 300 ألف دولار
مع انطلاقة شات جي بي تي وبداية عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، واجه المستخدمون صعوبة في توجيه النماذج الأولية، لتنفيذ الأوامر التشغيلية، للوصول بالمطلوب إلى التنفيذ بدقة أو بشكل أكثر اقتراباً من المطلوب، هنا ظهرت الحاجة لوسطاء يتقنون "الهمس للآلة"، بمعنى صياغة الكلمات المفتاحية، بطريقة تستطيع الآلة فقهمها وتفنيدها، وتنفيذها بشكل دقيق، ووصلت هذه الحاجة ذروتها أو ما تسميه غارتنر "قمة التوقعات المفرطة"، حينما نشرت كبرى المنصات الإخبارية الاقتصادية، وعلى رأسها "بلومبيرغ" و"بيزنس إنسايدر" في عام 2023، تقارير عن إعلان توظيف لشركة أنثروبيك المنافس الشرس لـ OpenAI ومطورة نموذج Claude، وتضمن الإعلان طلباً لـ"مهندس أوامر ومكتبات" براتب سنوي يتراوح بين 175 ألفاً و335 ألف دولار أمريكي..
هنا كان الصعود التاريخي، لكون ذلك الرقم الفلكي كراتب رسخ قناعة عالمية بأننا أمام "وظيفة القرن"، وأن من يملك مفاتيح الكلمات السحرية سيملك سوق العمل، لكن الطير لم يكد يرتفع وبأسرع مما طار وقع، فسرعان ما بدأت الرياح تأتي بما لا تشتهيه السفن، فالشركات التي صنعت هذه النماذج جوجل ومايكروسوفت وأوبن إيه آي أدركت أن الاعتماد على "مهندسي أوامر" يمثل عائقاً أمام تبني التكنولوجيا جماهيرياً، ووفقاً لتحليلات تقنية نشرتها IEEE Spectrum (معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات)، فإن الجيل الجديد من نماذج التعلم اللغوي (LLMs) تم تدريبه ليفهم "النوايا البشرية" بدلاً من التمسك بحرفية الكلمات، وأصبح الذكاء الاصطناعي يقوم بدور المهندس؛ فمثلاً، عند استخدام نموذج DALL-E 3 لرسم صورة، لم يعد المستخدم بحاجة لكتابة وصف تقني معقد، لأن النموذج يقوم "باطنياً" بإعادة صياغة طلب المستخدم البسيط وتحويله إلى "أمر برمجى" دقيق، مما ألغى الحاجة للوسيط البشري.
وهذا التحول السريع تنبأ به سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، الذي صرح في لقاء شهير مع المستثمر "ريد هوفمان" بأن "هندسة الأوامر" ليست وظيفة طويلة الأمد، مشيراً إلى أن الهدف هو الوصول إلى تفاعل طبيعي تام، مبني على التواصل المباشر مع الآلة، قائلاً ما معناه: "لا ينبغي للمستخدم أن يتعلم لغة الآلة، بل الآلة هي التي يجب أن تفهم لغة البشر".
وفي تحليل أعمق نشرته "هارفارد بزنس ريفيو" في منتصف عام 2023، جادل البروفيسور أوغوز أ. أكار من كلية كينغز لندن، بأن التركيز على هندسة الأوامر هو رهان خاسر، وكتب في مقاله المعنون "هندسة الأوامر ماتت.. عاشت صياغة المشكلات"، مؤكداً أن المهارة الحقيقية التي ستبقى هي القدرة على تحديد المشكلة وصياغتها (Problem Formulation)، أما مهمة صياغة الأوامر التقنية فستتكفل بها الخوارزميات التي تزداد ذكاءً يوماً بعد يوم.
واليوم، ومع ظهور نماذج التفكير المتقدمة (Reasoning Models) مثل OpenAI o1 و Gemini 1.5، والتي تأخذ وقتاً للتفكير وتصحيح مسارها ذاتياً، تحققت نبوءة "دورة حياة الضجيج، وهوت وظيفة "مهندس الأوامر" من قمة الرواتب الخيالية، لتستقر في مرحلة "الإنتاجية" ولكن بصورة مختلفة: لم تعد وظيفة مستقلة، بل تحولت إلى مهارة أساسية يُتوقع من أي موظف – سواء كان كاتباً، مبرمجاً، أو مسوقاً – أن يمتلكها، تماماً كما نجيد اليوم استخدام محركات البحث دون أن نسمي أنفسنا "مهندسي بحث"، فالذكاء الاصطناعي كان أذكى من أن يبقي على مفاتيح اللعبة في أيادي عدد قليل من المتخصصين، ونجح في اختراع وظيفة، ثم قام بأتمتتها بالكامل والقضاء عليها، في واحدة من أسرع الدورات التقنية في التاريخ الحديث.
