«علم الاقتصاد».. مصطلح يوحي بالصعوبة والتعقيد في كثير من الأحيان لغير المتخصصين أو الدارسين له، رغم أننا جميعاً مرتبطون بكل جزئية من تفاصيل هذا العلم خلال حياتنا اليومية وعبر تعاملات لانهائية نقوم بها كل ساعة. فالاقتصاد يعد أحد أهم العلوم الاجتماعية التي تؤثر بشكل مباشر في حياة الأفراد والدول، إذ يدرس كيفية إنتاج وتوزيع واستهلاك الموارد المحدودة.

ورغم أن التفكير الاقتصادي وجد منذ الحضارات القديمة مثل حضارات بلاد الرافدين واليونان، إلا أن الاقتصاد بوصفه علماً مستقلًا له قواعد ونظريات واضحة، لم يتبلور إلا في الربع الأخير من القرن الثامن عشر.

وفي هذا الصدد، يكاد يجمع معظم الباحثين والمؤرخين الاقتصاديين على أن أهم كتاب أسس لمبادئ وعلم الاقتصاد الحديث هو «بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم» للمفكر الاسكتلندي الشهير آدم سميث، ذلك الكتاب الذي رأى النور في عام 1776، ثم اشتهر بعد ذلك باسم «ثروة الأمم». وجاء مؤلفه من بعد ذلك ليطلق عليه اللقب الأشهر «أب الاقتصاد الحديث».

ولد المفكر آدم سميث في عام 1723 في اسكتلندا، ودرس الفلسفة والأخلاق في جامعة «جلاسكو»، ثم عمل أستاذاً للفلسفة الأخلاقية. وقبل أن يقدم للبشرية أيقونته الأشهر «ثروة الأمم»، ألف كتاباً مهماً كذلك بعنوان «نظرية المشاعر الأخلاقية» والذي ركز فيه على طبيعة السلوك الإنساني والتعاطف.

فهذا الكتاب لم يكن مجرد دراسة نظرية، بل كان نقطة تحول تاريخية نقلت الاقتصاد من الأفكار التقليدية المرتبطة بالملكية والاحتكار والتدخل الصارم للدولة إلى أفكار جديدة تقوم على حرية السوق، وتقسيم العمل، والمنافسة.

وقد ظهر الكتاب في فترة تاريخية مهمة، تزامنت مع بدايات الثورة الصناعية في أوروبا، وخاصة في بريطانيا. وفي تلك الفترة، كانت الدول الأوروبية تتبنى ما يعرف بـ «المذهب التجاري»، الذي يرى أن ثروة الدولة تقاس بكمية الذهب والفضة التي تمتلكها، ويشجع على التصدير وتقليل الاستيراد، ويفرض قيوداً شديدة على التجارة.

وقد أدى هذا النظام إلى احتكارات واسعة وتدخل قوي من الدولة في النشاط الاقتصادي، وتقييد حرية التجار والمنتجين، وضعف الابتكار وارتفاع الأسعار. وهنا جاء آدم سميث لينتقد هذا النظام بشكل جذري ويطرح رؤية جديدة تعتبر أن العمل والإنتاج هما المصدر الحقيقي للثروة، وليس تكديس المعادن النفيسة.

ويتكون كتاب «ثروة الأمم» من خمسة أجزاء رئيسية، تناول فيها آدم سميث قضايا الاقتصاد بشكل شامل:

1. تقسيم العمل: حيث يعد مفهوم تقسيم العمل من أهم أفكار الكتاب، وهنا نجد أن آدم سميث استخدم مثال مصنع الدبابيس، حيث أوضح أن تقسيم عملية الإنتاج إلى مراحل صغيرة يؤدي إلى: زيادة الإنتاجية وتوفير الوقت والجهد وتحسين مهارة العمال. وأكد أن تقسيم العمل هو السبب الرئيسي في زيادة ثروة الأمم، لأنه يسمح بإنتاج كميات أكبر بتكاليف أقل.

2. قيمة العمل ونظرية القيمة: وهنا نجد أن آدم سميث طرح فكرة أن العمل هو المصدر الحقيقي للقيمة. فكل سلعة تكتسب قيمتها من مقدار العمل المبذول في إنتاجها. ورغم أن هذه النظرية تطورت لاحقاً على يد اقتصاديين آخرين، فإنها شكلت أساساً مهمًا لفهم العلاقة بين العمل والإنتاج.

3. السوق الحرة و«اليد الخفية»: نجد أن من أشهر مفاهيم كتاب «ثروة الأمم» مفهوم «اليد الخفية»، حيث يرى آدم سميث أن الفرد عندما يسعى لتحقيق مصلحته الشخصية، فإنه يخدم مصلحة المجتمع ككل، من دون أن يقصد. فعلى سبيل المثال، التاجر يسعى للربح، والمنتج يسعى لزيادة الإنتاج، والمستهلك يبحث عن أفضل سعر، ومن خلال تفاعل هذه المصالح داخل سوق حرة، تتحقق الكفاءة الاقتصادية دون الحاجة إلى تدخل مباشر من الدولة.

4. دور الدولة في الاقتصاد: فرغم دفاعه عن حرية السوق، لم يكن آدم سميث يدعو إلى غياب الدولة الكامل. بل حدد لها أدواراً أساسية، منها: حماية البلاد من العدوان الخارجي، وإقامة نظام قضائي عادل، وتوفير الخدمات العامة التي لا يستطيع القطاع الخاص توفيرها بكفاءة مثل الطرق والجسور والتعليم الأساسي. وهذا التوازن بين السوق والدولة يعد من الركائز الأساسية للاقتصاد الحديث.

5. التجارة الدولية ونقد المذهب التجاري: فقد انتقد آدم سميث بشدة القيود التجارية والرسوم الجمركية ودافع عن حرية التجارة الدولية. واعتبر أن التبادل الحر بين الدول يؤدي إلى زيادة الإنتاج وتنويع السلع وتحسين مستوى المعيشة. كما أكد أن كل دولة يجب أن تتخصص في إنتاج السلع التي تمتلك فيها ميزة نسبية.

ودون الإسهاب فيما يتضمنه هذا الكتاب الأيقوني، يمكن القول بأن «ثروة الأمم» أهم كتاب وضع أسس ومبادئ الاقتصاد الحديث، لما قدمه من رؤية شاملة حول الإنتاج والعمل والسوق ودور الدولة. فقد شكل هذا الكتاب نقطة تحول في تاريخ الفكر الاقتصادي، ولا تزال أفكاره حاضرة في النقاشات الاقتصادية المعاصرة، رغم مرور 249 عاماً على صدوره.