كشفت دراسة علمية حديثة أن العبء العالمي الناجم عن لدغات الثعابين السامة قد يكون أكبر بكثير مما تشير إليه الإحصاءات الرسمية، مقدّرةً أن عدد الوفيات السنوية قد يصل إلى 513 ألف حالة، في ظل نقص تسجيل الإصابات وصعوبة حصول ملايين الأشخاص على الرعاية الطبية اللازمة.
ووفقا للدراسة، التي أعدها باحثون من كلية ليفربول لطب المناطق الاستوائية، فإن ما لا يقل عن 2.1 مليون شخص يتعرضون للتسمم بسموم الثعابين سنويا حول العالم، فيما قد يرتفع العدد الحقيقي إلى نحو 7 ملايين حالة، بحسب تقديرات نموذج إحصائي جغرافي يأخذ في الحسبان الحالات التي لا تُسجَّل في الأنظمة الصحية.
وأشارت النتائج إلى أن الوفيات السنوية الناجمة عن هذه الإصابات قد تتراوح بين 274 ألفا و513 ألف وفاة، ما يعكس فجوة كبيرة بين الحجم الفعلي للمشكلة والأرقام الواردة في السجلات الصحية الرسمية، وفق ما نشره موقع scitechdaily.
ولا تقتصر تكلفة لدغات الثعابين السامة على الخسائر البشرية فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، وبالنظر إلى أن معظم الضحايا ينتمون إلى المجتمعات الزراعية والريفية في سن العمل والإنتاج، فإن ذلك يعني فقدان ملايين سنوات العمل سنويا وتراجع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق الأكثر تضررا، كما تتحمل الأسر والحكومات أعباء مالية كبيرة تشمل تكاليف العلاج والأمصال والتأهيل الطبي، وهو ما يشير إلى خسائر اقتصادية تطال الإنتاجية والدخل والأمن الغذائي في العديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
أفريقيا جنوب الصحراء في صدارة المناطق المتضررة
وأظهرت الدراسة أن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تتحمل النصيب الأكبر من العبء العالمي، إذ تستحوذ، وفقا لتقديرات الباحثين، على نحو 45% من إجمالي حالات التسمم والوفيات المرتبطة بلدغات الثعابين على مستوى العالم.
كما أشار الباحثون إلى أن معدلات التسمم والوفاة في المنطقة تقارب ثلاثة أضعاف نظيراتها في جنوب آسيا، مع تسجيل أعباء مرتفعة في دول من بينها نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا.
وعزا الباحثون ذلك إلى مجموعة من العوامل، أبرزها انتشار أنواع متعددة من الثعابين السامة، وارتفاع معدلات التعرض لها في المناطق الزراعية، إلى جانب ضعف الخدمات الصحية في بعض المناطق الريفية، وبُعد المرافق الطبية، وارتفاع تكلفة الأمصال المضادة للسموم أو عدم توافرها.
نقص البيانات يحجب الحجم الحقيقي للأزمة
وأوضح الباحثون أن أكثر من نصف البلدان التي تشكل فيها الثعابين السامة تهديدا لا تمتلك بيانات مكتملة عن أعداد المصابين بلدغاتها أو حالات التسمم الناتجة عنها.
وفي مناطق ريفية من أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا، يضطر كثير من المصابين إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب منشأة صحية، بينما يلجأ آخرون إلى المعالجين التقليديين، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء حالات عديدة خارج الإحصاءات الوطنية.
ولمعالجة هذا النقص، راجع فريق الدراسة أبحاثا وبيانات من 79 دولة، شملت دراسات منشورة حتى 31 مارس 2025، واستعان بنموذج إحصائي يجمع البيانات المتاحة مع مؤشرات المناخ والتنوع البيولوجي والعوامل الاجتماعية والاقتصادية، بهدف تقدير معدلات الإصابة والوفيات حتى في المناطق التي تفتقر إلى سجلات صحية موثوقة.
أكثر من 800 ألف ناجٍ يواجهون إعاقات طويلة الأمد
ولا تقتصر تداعيات لدغات الثعابين على الوفيات، إذ قد ينجو مئات الآلاف من المصابين مع معاناتهم إعاقات جسدية دائمة أو طويلة الأمد.
وقدّرت الدراسة أن أكثر من 800 ألف ناجٍ سنويا قد يعانون إعاقات مستمرة، تشمل بتر الأطراف وغيرها من الأضرار الجسدية، بما ينعكس سلبا على قدرتهم على العمل، ويزيد الأعباء المالية على أسرهم، خصوصا في المجتمعات الزراعية الفقيرة.
دعوات لتعزيز توفير الأمصال وتحسين الاستجابة الطبية
وشدد الباحثون على أن مواجهة المشكلة تتطلب الانتقال من التقديرات غير المكتملة إلى الاعتماد على خرائط دقيقة للمناطق الأكثر عرضة للخطر، بما يساعد الحكومات والمؤسسات الصحية على توجيه الموارد إلى المواقع التي تحتاج إليها بصورة عاجلة.
وتشمل الأولويات المقترحة تعزيز مخزون الأمصال المضادة للسموم في المناطق عالية الخطورة، وتدريب العاملين في الرعاية الصحية الأولية على التعامل مع الحالات، وتحسين خدمات النقل والإحالة الطبية لضمان وصول المصابين إلى العلاج في الوقت المناسب.
وتأتي هذه النتائج في وقت تسعى فيه منظمة الصحة العالمية إلى خفض الوفيات والإعاقات الناجمة عن لدغات الثعابين إلى النصف بحلول عام 2030، وهو هدف يرى الباحثون أن تحقيقه يتطلب تحسين جمع البيانات وتوسيع نطاق الوصول إلى العلاج والوقاية.
وخلصت الدراسة إلى أن نقص البيانات لا يقلل من خطورة المشكلة فحسب، بل قد يعرقل أيضا توجيه الموارد الطبية إلى المجتمعات الأكثر تضررا، مؤكدةً أن تحسين رصد الحالات يمثل خطوة أساسية للحد من الوفيات والإعاقات الناجمة عن لدغات الثعابين السامة.