بين ميلاده في 30 مارس 1926، ووفاته في 27 يناير 2018، رسم رجل الأعمال السويدي إينغفار فيودور كامبراد مسيرة استثنائية في عالم الأعمال، بدأت ببيع علب الثقاب في طفولته، وانتهت بتأسيس «آيكيا»، إحدى أكبر شركات الأثاث في العالم، والتي غيّرت أساليب تصميم الأثاث وبيعه، فيما قُدّرت ثروته عند وفاته بنحو 60 مليار دولار.

وُلد كامبراد ونشأ في مزرعة بالقرب من منطقة لوينغبي بالسويد، ومن علب الثقاب إلى «آيكيا» بدأ رجل الأعمال السويدي نشاطه التجاري في السادسة من عمره، عندما اشترى علب الثقاب بكميات كبيرة من ستوكهولم بأسعار منخفضة، ثم أعاد بيعها لجيرانه باستخدام دراجته، محققاً أرباحاً شجعته على توسيع نشاطه. وانتقل لاحقاً إلى بيع أسماك الزينة وزينة أشجار الميلاد والبذور، قبل أن يضيف الأقلام والأدوات المكتبية إلى تجارته. وعندما بلغ 17 عاماً، منحه والده مكافأة مالية تقديراً لتفوقه الدراسي، لكنه لم ينفقها على احتفاله، بل ضمها إلى مدخراته وقرر تأسيس شركة.

وفي عام 1943، وُلدت «آيكيا» خلال جلسة عائلية حول طاولة المطبخ في منزل عمه إرنست. وبعد خمس سنوات، أضاف كامبراد الأثاث إلى منتجات الشركة، وبدأ بيعه عبر البريد.

وفي عام 1958، افتتح أول متجر لـ«آيكيا» في مدينة ألمهولت السويدية، لتبدأ رحلة توسع حولت المشروع إلى واحدة من أبرز شركات الأثاث بالتجزئة عالمياً. اعتمد نجاح «آيكيا» على توفير الأثاث بأسعار معقولة، وتطوير أساليب تصميمه وتوزيعه، ما ساعدها على الوصول إلى قاعدة واسعة من العملاء. وبحلول السنوات الأخيرة من حياة مؤسسها، كانت الشركة قد توسعت إلى عشرات الدول، عبر مئات المتاجر وآلاف الموظفين.ثروة هائلة وحياة مقتصدةرغم ثروته الضخمة، اشتهر كامبراد بتقشفه الشديد، حتى لُقّب بـ«المليونير البخيل». ففي الوقت الذي كان اسمه يتقدم قوائم أثرياء العالم، ظل يسافر على الدرجة السياحية، ويقيم في فنادق اقتصادية، ويقود سيارة فولفو قديمة، كما اعتاد شراء ملابسه من أسواق السلع المستعملة.

واحتفظ بسيارته «فولفو 240 GL» موديل 1993 نحو عقدين، بعدما اشتراها بحوالي 22 ألف دولار، قبل أن يبيعها بنحو 5 آلاف دولار. وكان يفضل قص شعره خلال زياراته إلى الدول التي تنخفض فيها تكاليف الحلاقة، بعدما اعتبر أن دفع نحو 27 دولاراً مقابل حلاقة في هولندا عام 2008 مبلغ مرتفع لا يتناسب مع ميزانيته المعتادة.وعاش كامبراد في منزل متواضع بسويسرا، وتناول وجبات اقتصادية، في انعكاس لفلسفة تقوم على تجنب الإنفاق غير الضروري، رغم امتلاكه ثروة جعلته من أبرز أثرياء العالم.

ففي عام 2008، أدرجته مجلة «فوربس» ضمن أغنى الشخصيات عالمياً، بينما وضعه مؤشر «بلومبرغ للمليارديرات» في المرتبة الثامنة عند وفاته.فلسفة إدارية وأعمال إنسانيةلم تقتصر بصمة كامبراد على التجارة، بل امتدت إلى العمل الإنساني. فقد ساهمت «آيكيا» في تصميم منازل متنقلة للاجئين السوريين، مصنوعة من الخشب وتُورّد في صناديق مسطحة، ويمكن تجميعها خلال أربع ساعات دون الحاجة إلى أدوات. وتلقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نماذج من هذه المنازل، ونُصب 24 منها، بواقع 12 على الحدود مع العراق و12 على الحدود مع لبنان.

وفي عام 1976، نشر كامبراد كتيباً بعنوان «وصية تاجر أثاث»، عرض فيه مبادئه الإدارية وفلسفته في الاقتصاد، مؤكداً أن «إهدار الموارد خطيئة لا تُغتفر في إيكيا». وقد شكلت هذه الرؤية جزءاً من ثقافة الشركة القائمة على خفض التكاليف وتقديم منتجات بأسعار مناسبة.وقبل وفاته بسنوات، نقل كامبراد ملكية الشركة إلى هياكل مؤسسية وخيرية معقدة في ليختنشتاين وهولندا، بهدف ضمان استمرارية العلامة التجارية وحمايتها من التشتت بين الورثة. وقدرت بعض التقديرات أصوله الشخصية المباشرة بنحو 130 مليون دولار، رغم تقدير ثروته الإجمالية بنحو 60 مليار دولار.

وفي يونيو 2013، استقال كامبراد من مجلس إدارة «إنتر إيكيا القابضة»، وتولى ابنه الأصغر ماتياس رئاسة الشركة القابضة، في خطوة عكست انتقال القيادة إلى الجيل التالي.رحل كامبراد عن 91 عاماً، تاركاً إرثاً يتجاوز الثروة؛ فقد حوّل مشروعاً صغيراً بدأ بعلب الثقاب إلى إمبراطورية عالمية، وجعل من الانضباط المالي وتبسيط التكاليف ركيزتين في فلسفة أعماله.

وتميّزت تجربة كامبراد بقدرته على تحويل القيود المالية إلى ميزة تنافسية، إذ لم يكن خفض التكاليف بالنسبة إليه مجرد وسيلة لزيادة الأرباح، بل جزءاً أساسياً من هوية «آيكيا» ونموذج عملها. وأسهمت فكرة الأثاث القابل للتغليف المسطح والتجميع الذاتي في تقليل تكاليف النقل والتخزين، ومنح العملاء فرصة الحصول على منتجات عملية بأسعار أقل. كما حرص على تبسيط العمليات التشغيلية، والاستفادة من المساحات بكفاءة، وربط التصميم بالوظيفة والسعر.

وأصبحت هذه المبادئ من أبرز ملامح العلامة التجارية، وساعدتها على التوسع في أسواق متعددة، مع الحفاظ على فلسفتها القائمة على إتاحة الأثاث الجيد لشريحة واسعة من المستهلكين.