لا يتوقف العمر الافتراضي لطائرات الركاب على عدد السنوات التي قضتها في الخدمة، بل تحدده مجموعة من المعايير الهندسية والتشغيلية، في مقدمتها ساعات الطيران، وعدد دورات الإقلاع والهبوط، ومدى تأثر الهيكل بإجهاد المعادن والتآكل، وفي حين يمكن لبعض الطائرات مواصلة الطيران لعقود، قد تخرج طائرات أخرى من الخدمة قبل بلوغ حدودها الإنشائية، لأسباب تتعلق بتكاليف التشغيل والصيانة.
وتسلط التطورات المتعلقة بتمديد العمر التشغيلي لبعض الطائرات الضوء على آليات تقييم صلاحيتها، وكيف يحدد المصنعون والجهات التنظيمية الحدود التي يمكن عندها استمرار تشغيل الطائرة بأمان.
3 معايير رئيسية لعمر الطائرة
يعتمد المهندسون على ثلاثة مؤشرات أساسية لتقييم العمر التشغيلي للطائرات: العمر التقويمي، وساعات الطيران، ودورات الطيران.
ويشير العمر التقويمي إلى السنوات التي مرت منذ دخول الطائرة الخدمة أو وفق نقطة البداية المعتمدة في تقييمها، بينما تقيس ساعات الطيران إجمالي الوقت الذي قضته في الجو.
أما دورة الطيران، فتشمل عادةً عملية إقلاع وهبوط واحدة، وترتبط بتغيرات الأحمال والضغط التي يتعرض لها الهيكل خلال الرحلة.
وتكتسب دورات الطيران أهمية خاصة عند مقارنة الطائرات قصيرة المدى بالطائرات المخصصة للرحلات الطويلة.
فالطائرة التي تنفذ ست رحلات يومياً، مدة كل منها ساعة واحدة، تسجل ست دورات طيران، بينما قد تسجل طائرة عريضة البدن تنفذ رحلة واحدة مدتها 12 ساعة دورة واحدة فقط.
وبالتالي، قد تتعرض الطائرة العاملة على الرحلات القصيرة لتكرار الإجهاد الإنشائي بوتيرة أعلى، رغم تسجيلها ساعات طيران أقل، وهو ما يفسر اعتماد حدود منفصلة للساعات والدورات.
إجهاد المعادن.. العامل الحاسم في سلامة الهيكل
يُعد إجهاد المعادن من أبرز العوامل المؤثرة في العمر الإنشائي للطائرة، وينشأ نتيجة تعرض أجزاء الهيكل لأحمال متكررة على مدى سنوات التشغيل.
وقد تبدأ شقوق دقيقة حول فتحات البرشام أو الزوايا الحادة، ثم تنمو تدريجياً مع تكرار الرحلات، وإذا لم تُكتشف وتُعالج في الوقت المناسب، فقد تصل إلى حجم يؤثر في قدرة الهيكل على تحمل الأحمال المصمم لمواجهتها.
وقد أسهمت حوادث طائرات "دي هافيلاند كوميت" عام 1954 في تعزيز فهم مخاطر الإجهاد الناتج عن تكرار ضغط المقصورة وتفريغه.
وشهد عام 1954 حادثين خطيرين لطائرة الركاب البريطانية "دي هافيلاند كوميت"، وهي من أوائل الطائرات النفاثة التجارية في العالم.
وقع الحادث الأول في 10 يناير 1954، عندما تحطمت طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية البريطانية لما وراء البحار في البحر المتوسط قرب جزيرة إلبا الإيطالية، مما أدى إلى وفاة 35 شخصا.
أما الحادث الثاني فوقع في 8 أبريل 1954، عندما تحطمت طائرة أخرى من النوع نفسه، كانت تشغّلها الخطوط الجوية الجنوب أفريقية، قبالة السواحل الإيطالية، وقُتل جميع ركابها وأفراد طاقمها، وعددهم 21 شخصا.
أظهرت التحقيقات أن السبب الرئيسي للحادثين كان إرهاق المعدن في جسم الطائرة نتيجة تكرار الضغط داخل المقصورة، مما أدى إلى تشقق الهيكل وتفككه أثناء الطيران.
وتعتمد الطائرات الحديثة على مبدأ "تحمل الضرر"، الذي يهدف إلى ضمان استمرار قدرة الهيكل على تحمل الأحمال حتى اكتشاف العيوب خلال الفحوصات الدورية.
كما تُستخدم اختبارات الإجهاد واسعة النطاق لمحاكاة عدد كبير من الرحلات والتحقق من قدرة الهيكل على تحمل ظروف التشغيل المتوقعة.
كيف تُحدَّد الحدود التشغيلية؟
تحدد الشركات المصنعة أهدافاً تصميمية للعمر التشغيلي استناداً إلى الحسابات الهندسية والاختبارات وبيانات التشغيل، وقد تُراجع هذه الأهداف عندما تظهر أدلة فنية تدعم تمديدها، مع إمكانية فرض فحوصات إضافية أو تعديلات على الطائرات الأقدم.
ومن الأمثلة على ذلك طائرة "إيرباص A320"، التي بلغ هدف تصميمها الأصلي 48 ألف دورة طيران و60 ألف ساعة طيران، قبل دعم هدف موسع يبلغ 60 ألف دورة و120 ألف ساعة.
وفي الولايات المتحدة، ألزمت قاعدة لإدارة الطيران الفيدرالية، دخلت حيز التنفيذ في يناير 2011، الشركات المصنعة بتحديد "حد صلاحية التشغيل" (LOV)، الذي يوضح الحد الذي ثبتت صلاحية الهيكل حتى بلوغه في إطار متطلبات منع التلف واسع الانتشار الناتج عن الإجهاد.
ولا يعني تجاوز عمر معين أن الطائرة تصبح غير آمنة تلقائياً، إذ يعتمد استمرار تشغيلها على حدود الطراز المعتمدة، وحالتها الفنية، ونتائج الفحوصات، والالتزام بالمتطلبات التنظيمية.
لماذا تتقاعد الطائرات قبل انتهاء عمرها؟
رغم أن بعض الطائرات تستطيع مواصلة الخدمة لعقود، فإن الجدوى الاقتصادية تؤدي دوراً أساسياً في تحديد موعد تقاعدها، فارتفاع تكاليف الصيانة، وزيادة استهلاك الوقود، وتوافر طائرات أحدث وأكثر كفاءة، قد يجعل استمرار تشغيل الطائرة القديمة أقل ربحية.
كما تؤثر قيمة المحركات وقطع الغيار، وتكاليف تحديث المقصورة، ومتطلبات التشغيل والصيانة في قرار شركات الطيران.
ولا يُحدَّد العمر الافتراضي لطائرة الركاب برقم ثابت، بل بتقييم متكامل يجمع بين السنوات وساعات الطيران ودوراته والحالة الإنشائية والجدوى الاقتصادية، وتظل الصيانة المنتظمة والفحوصات الهندسية والالتزام بالحدود المعتمدة عوامل أساسية لضمان استمرار الطائرة في الخدمة بأمان.