تتجاوز أهمية صناعة أشباه الموصلات حدود التطور التكنولوجي، لتصبح أحد المحركات الرئيسة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وموازين القوة بين الدول، في ظل تنامي الاعتماد على الرقائق الإلكترونية والمعالجات الدقيقة في قطاعات تمتد من الاتصالات والحوسبة، إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة والصناعات المتقدمة. ومع احتدام المنافسة على امتلاك القدرات التصنيعية، وتأمين المواد الخام اللازمة لهذه الصناعة، تتزايد أهمية الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمعادن الحرجة وتقنيات إنتاج الرقائق، باعتبارها عناصر مؤثرة في مستقبل الاقتصادات الكبرى.
وتسلط مراجعة نشرها موقع «بي جي يورس» الهندي، في 30 سبتمبر 2026، بقلم كومار تشيلابان، الضوء على هذه التحولات، من خلال كتاب «عصر الرقائق» للأستاذ الهندسي راكيش كومار، الصادر عن دار بنغوين للنشر، والذي يقدم مدخلاً مبسطاً إلى عالم أشباه الموصلات والمعالجات الدقيقة، ويستعرض أبعاد التنافس الجيوسياسي المرتبط بها.
ويشير المقال إلى أن الاتفاقيات المرتبطة بأشباه الموصلات والمعادن الحرجة وتقنيات التصنيع وحلول الطاقة، باتت تحتل موقعاً مهماً في العلاقات الاقتصادية الدولية، إلى جانب ملفات التجارة والدفاع. ويعكس ذلك تنامي إدراك الحكومات لأهمية سلاسل الإمداد التكنولوجية، وقدرتها على التأثير في أمن الاقتصادات واستدامة نموها.
وتكتسب المعادن الحرجة أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً إلى استخدامها في الصناعات الإلكترونية والطاقة والتقنيات المتقدمة، فضلاً عن تركز مصادر بعض هذه المواد في عدد محدود من الدول. ويؤدي هذا التفاوت في توزيع الموارد، إلى نشوء علاقات اعتماد متبادل، إذ تحتاج بعض الاقتصادات إلى مواد تتوافر بكميات كبيرة لدى منافسيها، بينما تمتلك هي بدورها تقنيات أو قدرات صناعية يحتاج إليها الآخرون.
ويبرز المقال الصين والولايات المتحدة ضمن القوى التي تتشابك مصالحها في هذا المجال، مع الإشارة إلى أهمية المعادن الحرجة في دعم الصناعات التكنولوجية وأمن الطاقة. كما يتناول مساعي الهند لتأمين احتياجاتها من هذه الموارد، في إطار توجهاتها لتعزيز التصنيع المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج.
وتشكل أشباه الموصلات أساساً لتشغيل مجموعة واسعة من الأجهزة والأنظمة الحديثة، بدءاً من الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة اللوحية، وصولاً إلى البنية التحتية للاتصالات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وقد أسهم تطور المعالجات الدقيقة في تقليص أحجام الأجهزة وزيادة قدراتها، كما غيّر طبيعة العمل في قطاعات عديدة، من الإعلام وإنتاج المحتوى، إلى الاتصالات والصناعات الرقمية.
ويستعرض الكتاب هذه التحولات من منظور مبسط، موضحاً كيف انتقلت التكنولوجيا من أجهزة كبيرة الحجم ومحدودة الوظائف، إلى منظومات صغيرة وأكثر قدرة على معالجة البيانات وتنفيذ العمليات المعقدة. ويشير المقال إلى أن التطور في تصميم الرقائق وتصنيعها، أسهم في إحداث تغييرات واسعة في أساليب العمل والإنتاج والاتصال، ومهّد للتوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي.
وتتجاوز المنافسة في هذا القطاع حدود الشركات المنتجة، لتشمل اعتبارات الأمن القومي، والسيطرة على التقنيات المتقدمة، وحماية سلاسل التوريد. ويشير المقال إلى أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين وتايوان، إلى جانب تنامي حضور الهند في هذا المجال، يعكس الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبتها صناعة الرقائق، في ظل ارتباطها المباشر بالقدرات الصناعية والتكنولوجية للدول.
وتحتل شركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» موقعاً محورياً في هذا المشهد، إذ يصفها المقال بأنها أكبر شركة لتصنيع الرقائق على مستوى العالم، ويشير إلى دورها الكبير في إنتاج الرقائق المتقدمة. ويجعل هذا التركّز في القدرات التصنيعية مسألة تنويع مواقع الإنتاج وتأمين الإمدادات، إحدى القضايا الأساسية أمام الحكومات والشركات العاملة في القطاعات التكنولوجية.
كما يتناول المقال المعدات المتخصصة اللازمة لإنتاج الرقائق الأكثر تقدماً، وفي مقدمها أنظمة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، التي تتيح تصنيع مكونات دقيقة للغاية. وتعكس هذه المعدات مدى التعقيد الذي بلغته الصناعة، حيث يعتمد إنتاج الرقائق الحديثة على منظومة متكاملة من المعرفة الهندسية والاستثمارات الضخمة والتقنيات المتخصصة وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي هذا الإطار، يوضح الكتاب أن فهم صناعة أشباه الموصلات لا يقتصر على الجوانب التقنية، بل يتطلب أيضاً إدراك العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تحكمها. فامتلاك القدرة على تصميم الرقائق وتصنيعها وتأمين المواد اللازمة لها، يمنح الدول والشركات إمكانات مؤثرة في قطاعات حيوية، فيما قد يؤدي تعطل الإمدادات أو تقييد الوصول إلى بعض التقنيات، إلى تداعيات تمتد عبر الصناعات المرتبطة بها.
ويشير المقال كذلك إلى ارتباط خطط الهند لتعزيز التصنيع المحلي بأهدافها في مجالي الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي، في ظل سعيها إلى توسيع حضورها في صناعة أشباه الموصلات. ويضع هذا التوجه ضمن سياق دولي أوسع، تتجه فيه الاقتصادات إلى مراجعة اعتمادها على مصادر خارجية محددة، والعمل على تعزيز مرونة سلاسل التوريد.
ويقدم كتاب «عصر الرقائق» للقارئ غير المتخصص مدخلاً لفهم طبيعة هذه الصناعة وتطورها، والعلاقة بين المعالجات الدقيقة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الأبعاد الجيوسياسية المرتبطة بالمعادن الحرجة، والتنافس على التقنيات المتقدمة. ويخلص المقال إلى أن الرقائق الإلكترونية لم تعد مجرد مكونات داخل الأجهزة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية والتكنولوجية التي تستند إليها الاقتصادات الحديثة.
ويؤكد هذا التحول أن مستقبل المنافسة الصناعية لن يتحدد بالقدرة على تطوير المنتجات النهائية فحسب، وإنما أيضاً بامتلاك المعرفة والتقنيات والمواد التي تقوم عليها تلك المنتجات، وبالقدرة على تأمينها ضمن بيئة دولية تتزايد فيها أهمية التكنولوجيا، بوصفها عاملاً اقتصادياً واستراتيجياً.