في ظل الوضع الاقتصادي الراهن، يبدو التقاعد بعيد المنال بالنسبة لجيل الألفية وجيل زد، وذلك عبر تحقيق صادم لمجلة فورتنشر مع رصد دراسات اقتصادية اجتماعية سابقة حول أزمات جيل زد لأجل العيش الكريم، وفي إشارة أيضاً إلى أزمتهم مع الميراث من الأجيال السابقة التي تخبئ الأموال، وغيرها من المشكلات التي تعمق من أزماتهم الاقتصادية والحياتية اليومية ومستقبل التقاعد المريح.

تكشف نتائج دراسة حديثة أعدتها مؤسسة غولدمان ساكس ونشرتها مجلة فورتشن عن تحول هيكلي مقلق في الواقع الاقتصادي والاجتماعي للشباب؛ إذ أظهرت المسوحات الميدانية أن نحو 80% (أو 8 من كل 10) من أبناء جيل الألفية وجيل زد (Gen Z) باتوا يعتمدون على الجمع بين وظيفتين أو أكثر لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة اليومية وتغطية نفقاتهم الأساسية.

وتُبرز دراسة غولدمان ساكس أن أزمة القدرة على تحمل التكاليف وضغوط التضخم المتواصل أزاحت طموحات التقاعد المبكر أو حتى التقاعد التقليدي لدى هذه الفئات، ليغدو الشغف بالاستقرار المالي مجرد مسعى يومي لتفادي الوقوع في طائلة الديون.

وتتلاقى هذه المعطيات مع موجة سابقة من الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية التي تُجمع على أن أجيال الشباب تواجه تراكمات معقدة تنطلق من صعوبة امتلاك السكن والتكاليف المعيشية المتصاعدة، وصولاً إلى تعثر الحصول على الفرص والتفاوت الصارخ في توزيع الثروات مقارنة بالأجيال السابقة.

تأتي هذه القراءة لتعزز نتائج دراسات وأبحاث سابقة رصدت مظاهر المعاناة الاقتصادية لدى الجيلين؛ حيث أشارت دراسة أعدتها شبكة «ديلويت» حول جيل زد وجيل الألفية إلى أن القلق المالي يمثل الضغط الأكبر على الصحة النفسية ونمط الحياة لدى أكثر من 50% من المشاركين، متقدماً على المخاوف الخاصة بالتغير المناخي والأمن الوظيفي.

وأكد تقرير ديلويت أن اللجوء إلى العمل الثانوي أو ما يُعرف بـ«اقتصاد الأعمال الحرة» لم يعد ترفاً لزيادة الدخل، بل أداة اضطرارية لسداد الفواتير الشهرية والإيجارات في المدن الكبرى.

وفي السياق ذاته، كشف تقرير صادر عن معهد «بروكينغز للبحوث الاقتصادية» أن ارتفاع كلفة السكن بمعدلات تجاوزت النمو الفعلي للأجور خلال العقود الثلاثة الأخيرة جعل حلم الامتلاك العقاري بعيد المنال لأغلب الشباب، ما أجبرهم على توجيه حصة كبرى من مداخيلهم نحو الإيجارات اليومية، محروقين بذخائرهم المالية ومحرومين من بناء أصول طويلة الأجل تؤمن مستقبلاً تقاعدياً كريماً.

ولا تتوقف أزمات جيل زد والألفية عند حدود الأجور المحدودة وتكاليف المعيشة، بل تتجاوزها إلى صراع أعمق حول انتقال الثروة وصعوبة الحصول على الميراث من الأجيال السابقة؛ إذ تشير تحليلات مركز «بيو للبحوث» إلى وجود تفاوت تاريخي في تراكم الأصول بين الجيل الحالي والأجيال السابقة مثل «جيل الطفرة السكانية»، الذين يحتكرون القسم الأكبر من الثروات العقارية والمالية.

وتوضح أبحاث «بيو» أن كبار السن يحتفظون بالثروات لفترات أطول نتيجة ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتكاليف الرعاية الصحية، ما جعل معضلة انتقال الميراث تتأخر عقوداً أو تتآكل في تغطية المصاريف الطبية، متسببة في إحباط اجتماعي لدى الشباب الذين يجدون أنفسهم مطوقين بارتفاع أسعار الفائدة وتضخم القروض الطلابية دون وجود دعم عائلي ملموس يوازن المعادلة.

وفي هذا الإطار، تؤكد أبحاث «البنك الدولي» والمؤسسات الاجتماعية العالمية أن ظاهرة العمل المزدوج وأزمة التقاعد لدى شبان اليوم لا تقتصر على النطاق الأمريكي فحسب، بل تحولت إلى ظاهرة عالمية تمس المجتمعات الحضرية في مختلف القارات.

فبينما يواجه الشباب صعوبة في ادخار أي أجزاء من دخلهم لصناديق التقاعد، تظل المخاوف قائمة من أن يؤدي هذا الضغط المتواصل وتمديد ساعات العمل إلى تراجع مستويات الإنتاجية على المدى الطويل وارتفاع معدلات الاحتراق النفسي والمهني (Burnout).

وبناءً على كافة هذه المعطيات والدراسات المتكاملة، فإن جيل زد والألفية يجدون أنفسهم أمام نموذج اقتصادي يتطلب مجهوداً مضاعفاً لاستيفاء الأساسيات، ما يفرض على المشرعين والمؤسسات الاقتصادية ضرورة إعادة النظر في سياسات الأجور، وتيسير امتلاك السكن، وبناء منظومات حماية اجتماعية مرنة تضمن لهؤلاء الشباب عيشاً كريماً يوازن بين الواقع اليومي وضمانات المستقبل.