قد لا يلاحظه الركاب، ولا يستغرق إدخاله سوى أربع ثوانٍ، لكنه يحدد إلى حد كبير سرعة الطائرة، وكمية الوقود التي ستستهلكها، وما إذا كانت ستتمكن من تعويض جزء من الوقت الذي خسرته قبل الإقلاع. إنه "مؤشر التكلفة".. الرقم الصغير الذي يقف خلف قرارات كبيرة في عالم الطيران.

قبل أن تتحرك الطائرة من بوابة المطار، يدخل أحد الطيارين رقما في نظام إدارة الرحلة، قد يكون الرقم مكوّنا من خانتين أو ثلاث، لكنه يحمل أهمية تفوق حجمه بكثير.

هذا الرقم المعروف باسم "مؤشر التكلفة" أو Cost Index ، يمثل معادلة دقيقة توازن بين عاملين رئيسيين: تكلفة الوقت وتكلفة الوقود. ومن خلال هذه المعادلة، يحدد نظام إدارة الرحلة السرعة التي تحقق أفضل توازن اقتصادي للطائرة خلال الرحلة.

السرعة أم الوقود؟

الفكرة تبدو بسيطة، إذا كان الوقت أكثر أهمية، يمكن للطائرة أن تطير بسرعة أكبر، لكنها ستحرق مزيدا من الوقود، أما إذا أصبحت تكلفة الوقود هي العامل الأهم، فيمكن خفض السرعة قليلا لتحقيق استهلاك أقل.

لكن الأمر لا يتعلق بمجرد الضغط على الوقود، إذ يحسب نظام إدارة الرحلة عوامل متعددة، من بينها وزن الطائرة وارتفاعها والرياح، ثم يحدد سرعة الطيران المناسبة.

وعندما يكون مؤشر التكلفة صفرا، فهذا يعني أن الوقت لا يمثل تكلفة في الحساب، فيسعى النظام إلى تحقيق أقصى مدى ممكن بأقل استهلاك للوقود، والمفارقة أن هذه السرعة ليست أبطأ سرعة تستطيع الطائرة الطيران بها، بل السرعة الأكثر كفاءة من حيث المسافة التي تقطعها مقابل كمية الوقود المستهلكة.

وفي الطرف الآخر، كلما ارتفع مؤشر التكلفة، أصبح اختصار زمن الرحلة أكثر أهمية، فتتجه الطائرة إلى سرعات أعلى ضمن الحدود التشغيلية المسموح بها.

9 دقائق مقابل 400 كيلوغرام

تكشف أرقام إيرباص عن مدى حساسية هذه المعادلة. فعلى رحلة بطول 1000 ميل بحري لطائرة من عائلة A319 أو A320 أو A321، يؤدي رفع مؤشر التكلفة من صفر إلى 100 إلى توفير نحو 9 دقائق فقط، مقابل استهلاك نحو 400 كيلوغرام إضافية من الوقود.

والأكثر إثارة أن العائد يتراجع سريعا كلما ارتفع المؤشر، فرفع المؤشر من 80 إلى 100 يحتاج إلى نحو 50 كيلوغراما إضافية من الوقود لتوفير دقيقة واحدة فقط.

وهذا يفسر لماذا لا تستطيع الطائرة المتأخرة ببساطة أن "تسرع" لاستعادة كل الوقت الضائع، فالدقائق الأخيرة تكون الأكثر تكلفة.

الرياح المعاكسة تجعل الطائرة أسرع

ومن المفاجآت التي يكشفها مؤشر التكلفة أن الطائرة قد تزيد سرعتها عند مواجهة رياح معاكسة.

فالرياح المعاكسة تخفض السرعة الأرضية، ما يجعل كل دقيقة إضافية في الجو أكثر تكلفة، لذلك يحسب النظام أن زيادة السرعة قد تكون أكثر جدوى اقتصاديا لتقليل مدة التعرض للرياح.

أما مع الرياح الخلفية، فتنخفض الحاجة إلى السرعة العالية، ويمكن للطائرة الاستفادة من دفع الرياح والسير بوتيرة أبطأ نسبيا.

عندما يرتفع سعر الوقود.. تتباطأ الطائرات

ظهر تأثير هذه المعادلة بوضوح خلال ارتفاع أسعار الوقود في عام 2008، عندما لجأت شركات طيران إلى إبطاء رحلاتها قليلا لتقليل الاستهلاك.

فقد أضافت شركة Southwest ما بين دقيقة وثلاث دقائق إلى الرحلة الواحدة، وحققت وفورات سنوية بلغت 42 مليون دولار، بينما أضافت JetBlue أقل قليلا من دقيقتين في المتوسط وحققت وفورات قدرت بنحو 13.6 مليون دولار سنويا.

وقد تبدو دقيقة أو دقيقتان أمرا هامشيا بالنسبة إلى المسافر، لكن عند تكرارهما عبر آلاف الرحلات، تتحول الثواني والدقائق إلى ملايين الدولارات.

قرار صغير.. واقتصاد ضخم

في النهاية، لا يرى الراكب الرقم الذي أدخله الطيار، وربما لا يشعر بتأثيره المباشر خلال الرحلة، لكن خلف ذلك الرقم الصغير توجد معادلة معقدة تجمع بين الوقود والوقت والصيانة وأجور الطواقم وتأخر الرحلات ورحلات الربط.

إنه قرار قد يستغرق أربع ثوانٍ داخل قمرة القيادة، لكنه يمكن أن يحدد كيف ستطير الطائرة، وكم ستستهلك من الوقود، وكم ستكلف الرحلة شركة الطيران. وفي عالم الطيران، قد يكون الرقم الأصغر حجما هو الأكثر تأثيرا.