حذرت مجموعة من البنوك العالمية الكبرى من تنامي المخاطر المرتبطة باستخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي في التسوق الإلكتروني، في وقت تتسارع فيه جهود شركات التكنولوجيا لتطوير أنظمة قادرة على البحث عن المنتجات ومقارنتها واختيارها وإتمام عمليات الشراء نيابة عن المستهلكين. وأشارت البنوك إلى أن تطور ما يعرف بـ«التجارة الوكيلة» أو Agentic Commerce يتقدم بوتيرة أسرع من معايير الحماية والتنظيم المعمول بها حالياً في القطاع المالي.
وجاء التحذير في تقرير مشترك شاركت فيه NatWest وBank of America وING الهولندي وASB Bank النيوزيلندي وCapital One وCommonwealth Bank of Australia، حيث أكدت المؤسسات المالية أن المستهلكين يبدون اهتماماً متزايداً بإسناد جزء من قرارات التسوق والمعاملات إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، لكنها نبهت في الوقت نفسه إلى تحديات تتعلق بالاحتيال، وعمليات الشراء غير المقصودة، وحماية البيانات، وتحديد الجهة المسؤولة عند حدوث خطأ أو خسارة مالية.
وتتجاوز المخاطر عملية اختيار منتج غير مناسب، إذ يمكن للوكيل أن يتعامل مباشرة مع بيانات الدفع أو يطلب من المستخدم إدخال بيانات البطاقة في مواقع إلكترونية، كما قد يوجهه إلى وسائل دفع تتمتع بمستويات حماية أضعف. وتثير هذه التطورات سؤالاً جديداً في منظومة المدفوعات: من يتحمل المسؤولية عندما ينفذ الذكاء الاصطناعي عملية شراء لم يقصدها المستخدم، أو ينفذها بطريقة مختلفة عن توقعاته؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة تقديم التوصيات إلى مرحلة تنفيذ المعاملات. ففي النموذج التقليدي، يبحث المستهلك ويقارن ثم يتخذ قرار الشراء بنفسه، بينما يمكن للوكيل الذكي أن يتولى سلسلة كاملة من المهام، بدءاً من تحديد الاحتياجات والبحث بين المتاجر، مروراً بالمقارنة واختيار العرض، وصولاً إلى إتمام الدفع ضمن حدود يحددها المستخدم.
وتشير تحليلات مصرفية وتقنية إلى أن هذا التحول يفرض مفهوماً جديداً موازياً لمبدأ «اعرف عميلك» المعروف في القطاع المالي، يتمثل في «اعرف وكيلك» (Know Your Agent)، أي التحقق من هوية الوكيل والجهة التي تشغله، والصلاحيات التي يمتلكها، وحدود الإنفاق التي يستطيع تنفيذها، والعمليات التي قام بها نيابة عن المستخدم. وكانت NatWest قد أشارت في تحليل سابق إلى أن أنظمة المدفوعات التقليدية تواجه تحدياً في مواكبة متطلبات المعاملات التي ينفذها وكلاء الذكاء الاصطناعي، مع الحاجة إلى بروتوكولات موثوقة للمصادقة والتحقق من هوية الوكلاء.
ولا تقتصر المخاوف على البنوك؛ فمقدمو خدمات الدفع يواجهون بدورهم تحدياً في تحديد المسؤولية عن المعاملات التي ينفذها الذكاء الاصطناعي. وتوضح إفصاحات شركات عاملة في قطاع المدفوعات أن الأطر القانونية والتنظيمية لا تزال تتطور، فيما تبقى مسألة تحديد المسؤولية عن المعاملة الاحتيالية أو غير المصرح بها بين المستهلك والتاجر ومزود الوكيل ومزود خدمات الدفع وشبكة البطاقات من القضايا غير المحسومة بالكامل. كما أن تغير الإشارات السلوكية الناتجة عن تعامل الوكلاء بدلاً من البشر قد يصعّب على أنظمة مكافحة الاحتيال التقليدية اكتشاف بعض الأنماط الجديدة.
في المقابل، تتسابق شركات التكنولوجيا الكبرى، ومنها OpenAI وAnthropic وGoogle وMeta، على تحويل المساعدات الذكية إلى واجهات مباشرة للتسوق، فيما تحاول شركات التجزئة التأثير في الطريقة التي تظهر بها منتجاتها داخل إجابات وتوصيات وكلاء الذكاء الاصطناعي. وبدأ هذا التحول يظهر في بيانات بعض المتاجر؛ إذ قالت مجموعة John Lewis البريطانية إن عمليات البحث القادمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي ارتفعت إلى 2.5% من إجمالي عمليات البحث لديها، مقارنة بـ 0.3% قبل عام، مشيرة إلى تسارع الاتجاه عبر مختلف الفئات العمرية.
وهذا التحول يغير أيضاً طبيعة المنافسة في تجارة التجزئة. فبدلاً من أن يكون ظهور المنتج أمام المستهلك مرتبطاً فقط بترتيب نتائج البحث أو الإعلانات أو واجهة المتجر الإلكتروني، أصبح على الشركات أن تجعل بيانات المنتجات والأسعار والتوافر والمراجعات والمزايا واضحة وقابلة للفهم بالنسبة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتولى عملية المقارنة واتخاذ القرار.
وتظهر في الأسواق بالفعل محاولات مختلفة للتعامل مع هذا التحول. فبينما تعمل بعض منصات التجارة الإلكترونية على دمج وكلاء الذكاء الاصطناعي في عمليات الشراء، اتخذت شركات أخرى موقفاً أكثر تحفظاً تجاه وصول وكلاء خارجيين إلى منصاتها، ما يعكس استمرار النقاش حول السيطرة على بيانات العملاء، وهوية الوكيل، وشروط الوصول، وحماية العلاقة المباشرة بين المتجر والمستهلك.
وفي أوروبا، بدأت بعض البنوك وشبكات المدفوعات بالفعل اختبار معاملات ينفذها وكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن أطر مصادقة محددة. وأعلنت Visa عن معاملات فعلية نفذها وكلاء لدى مجموعة من البنوك الأوروبية، مع استخدام Payment Passkeys للمصادقة ودعم متطلبات المصادقة القوية للعملاء، بما يشير إلى أن القطاع المالي لا يرفض التقنية بقدر ما يسعى إلى بناء طبقة ثقة وأمان تسمح بتوسعها.
ويعكس ذلك اتجاهاً أوسع في القطاع المالي نحو إعادة تعريف العلاقة بين المستخدم والآلة. فمع انتقال الوكيل من مجرد أداة تقدم اقتراحاً إلى طرف ينفذ عملية مالية، تصبح قضايا الهوية، والصلاحيات، والشفافية، وإمكانية التراجع عن المعاملة، وحماية البيانات، وتوزيع المسؤولية عناصر أساسية في تصميم منظومة التجارة الرقمية الجديدة.
ولهذا تقترح البنوك المشاركة في التقرير مناقشة حزمة من الإجراءات مع الجهات التنظيمية، تشمل الإفصاح الإلزامي عندما يكون وكيل ذكاء اصطناعي طرفاً في المعاملة، وتعزيز الشفافية بشأن كيفية اتخاذ الوكيل لقراراته، ووضع ضمانات إضافية لحماية بيانات العملاء. كما تدعو إلى إتاحة حرية الاختيار للمستهلكين والتجار بشأن الخدمات التي يستخدمونها، وضمان قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة المختلفة.
وبذلك، تبدو المنافسة المقبلة في التجارة الإلكترونية مرتبطة ليس فقط بقدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على العثور على أفضل منتج أو سعر، وإنما بقدرتهم على تنفيذ المعاملة بصورة قابلة للتحقق والمساءلة والحماية. فكلما توسعت صلاحيات الوكيل من البحث إلى الدفع، انتقلت المخاطر من مجال تجربة المستخدم إلى صميم النظام المالي، ما يضع البنوك وشركات التكنولوجيا والتجار والجهات التنظيمية أمام مهمة مشتركة لبناء معايير واضحة للتجارة التي تنفذها الآلات نيابة عن البشر.