أيدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، الدعوات المطالبة بإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم، معلنة اعتزامها دعوة المختبرات الرائدة التي تقود سباق تطوير النماذج الأكثر تقدماً إلى محادثات بشأن سبل الحد من المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
وقالت فون دير لاين، خلال خطابها السنوي أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، إن تنامي قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة يجعل المخاطر المرتبطة بها «أكثر وضوحاً وإلحاحاً»، مشيرة إلى أن بعض الأنظمة المستقبلية قد تتيح تنفيذ عمليات اختراق إلكتروني بمستويات غير مسبوقة، كما يمكن أن تقع في أيدي جهات تنظر إلى العالم من منظور مختلف.
وتأتي تصريحات رئيسة المفوضية في أعقاب تصاعد الدعوات داخل قطاع التكنولوجيا نفسه إلى إبطاء تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً. فقد دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، الأسبوع الماضي شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء تطوير قدرات النماذج، فيما حظيت الدعوة بتأييد شخصيات بارزة في القطاع، من بينها إيلون ماسك وسام ألتمان.
وأشارت فون دير لاين إلى أن المطورين أنفسهم بدأوا يحذرون من المخاطر المرتبطة بالانتقال إلى نماذج قادرة على التحسين الذاتي بصورة متكررة، معتبرة أن هذه التحذيرات تستدعي استجابة تنظيمية أوروبية أكثر تنسيقاً.
وقالت للمشرعين الأوروبيين إن الرؤساء التنفيذيين لكبرى شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة «يخبروننا أن الوقت قد حان لإبطاء العمل على النماذج القادرة على التحسين الذاتي، ولضبط وتيرة التقدم في هذا المجال»، مضيفة أنه إذا كان مطورو التكنولوجيا يدركون هذه المخاطر، «فيجب علينا نحن أيضاً أن نكون كذلك».
وتأتي هذه الدعوات في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن سلوك بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة وقدرتها على العمل بدرجات أكبر من الاستقلالية. وسلطت تقارير حديثة الضوء على حالات أظهرت فيها أنظمة ذكاء اصطناعي سلوكيات غير متوقعة، بالتزامن مع تحذيرات من باحثين داخل القطاع بشأن صعوبة مواكبة آليات السلامة التقليدية للتطور السريع في قدرات النماذج.
وفي هذا السياق، أعلنت فون دير لاين أنها ستدعو «المختبرات الرائدة» في مجال الذكاء الاصطناعي المتقدم إلى مناقشة سبل دعم الجهود التي يبذلها القطاع لضبط وتيرة التطور، في خطوة قد تفتح الباب أمام حوار مباشر بين المؤسسات الأوروبية والشركات التي تقود سباق تطوير النماذج.
كما أكدت أن الاتحاد الأوروبي سيتعاون مع شركاء يشاركونه الرؤية بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، ومن بينهم كندا والمملكة المتحدة ودول أخرى، بهدف تطوير إجراءات تشمل تقييم النماذج والتحقق من سلامتها وتعزيز أمن أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتحاول بروكسل البناء على الإطار التنظيمي الأوروبي للذكاء الاصطناعي، الذي يضع قواعد لاستخدام الأنظمة بحسب مستويات المخاطر، فيما تسعى المفوضية إلى تعزيز دور أوروبا في صياغة المعايير الدولية الخاصة بالذكاء الاصطناعي وسلامته. وقالت فون دير لاين إن القواعد الأوروبية التي أُقرت مؤخراً تمنح الاتحاد موقعاً يمكنه من خلاله المساهمة في صياغة الجهود العالمية لمعالجة المخاطر الناشئة عن الذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى نفسها نقاشاً حول كيفية تحقيق التوازن بين سرعة الابتكار ومتطلبات السلامة. وكانت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل ديب مايند» قد دخلت في محادثات للتنسيق بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، وفق ما نقلته «رويترز» عن تقرير لـ«بلومبرغ»، فيما لا تزال تفاصيل أي إطار مشترك للسلامة أو الرقابة قيد النقاش.
ولا تحظى فكرة إبطاء التطوير بإجماع داخل صناعة التكنولوجيا. فقد قال الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ، الأربعاء، إن شركات الذكاء الاصطناعي لديها حوافز ومسؤولية كافية لتطوير التكنولوجيا بأمان دون الحاجة إلى تباطؤ منسق في القطاع، مشيراً إلى أهمية التقييمات المستقلة واختبارات السلامة التي تجريها الشركات قبل إطلاق أنظمتها.
ويعكس هذا التباين اتساع النقاش العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، بين اتجاه يدعو إلى وضع ضوابط أكثر صرامة وإبطاء بعض مسارات التطوير عالية المخاطر، واتجاه آخر يرى أن تعزيز الاختبارات والمسؤولية القانونية والرقابة على الاستخدام يمكن أن يحقق السلامة دون تعطيل الابتكار.
وفي ملف آخر مرتبط بالتكنولوجيا وحماية المستخدمين، أعلنت فون دير لاين خلال الخطاب عن مقترحات جديدة للحد من وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، تشمل منع من هم دون 13 عاماً من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ووضع قيود على امتلاك الحسابات الشخصية لمن هم دون 15 عاماً، مع مطالبة المنصات بإثبات أن خدماتها آمنة للأطفال.
وتستند هذه المقترحات إلى عمل أوسع للاتحاد الأوروبي بشأن سلامة الأطفال على الإنترنت. وكانت لجنة خبراء خاصة شكلتها المفوضية قد أوصت باتباع نهج تدريجي في وصول الأطفال إلى منصات التواصل، مع التأكيد على عدم تعرض الأطفال الصغار للشاشات، وضرورة أن يكون استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تحت إشراف الوالدين أو مقدمي الرعاية في الأعمار الأصغر.
وتضع تحركات فون دير لاين ملفي سلامة الذكاء الاصطناعي وحماية الأطفال في البيئة الرقمية ضمن أولويات أوروبية متنامية، في وقت تواجه فيه الحكومات والمنصات التكنولوجية تحدياً يتمثل في مواكبة التطور السريع للتكنولوجيا مع وضع قواعد قادرة على الحد من المخاطر دون إغلاق المجال أمام الابتكار.