تكتسب الخطوة الأمريكية اليابانية بتنفيذ تدخل مباشر ومنسق في أسواق الصرف الأجنبي أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حدود تهدئة أسعار العملات إلى إعادة رسم معالم الاستقرار المالي العالمي.

ويمثل هذا التحرك المزدوج، الذي أطاح بالدولار دون مستوى 160 يناً وصولاً إلى مستويات 157.62 يناً، تحولاً جذرياً في التعاطي مع انخفاض الين التاريخي نحو مستويات 164 يناً للدولار؛ إذ إن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، وعبر وزير الخزانة سكوت بيسنت وبالتنسيق مع وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما وبنك الاحتياطي الفيدرالي، أرسلت رسالة صارمة للمضاربين مفادها أن واشنطن لن تسمح بانهيار العملة اليابانية لما يشكله ذلك من خطر مباشر على سوق سندات الخزانة الأمريكية وعلى استقرار أسواق الأسهم والائتمان العالمية.

وقد تزامن هذا التدخل مع ضغوط إضافية واجهها الدولار الأمريكي نتيجة بيانات التوظيف الأمريكية غير الزراعية لشهر يوليو، والتي جاءت مخيبة للآمال وأقل من التوقعات، مع مراجعات تنازلية لأرقام يونيو، ما أدى إلى تراجع مؤشر الدولار إلى 99.49 نقطة وصعود الرفيق التقليدي للملاذ الآمن، الذهب، في المعاملات الفورية إلى 4336.09 دولاراً للأونصة.

هذا التراجع في بيانات العمل الأمريكية عزز توقعات الأسواق بوجود احتمال يقارب 56% لبقاء أسعار الفائدة الفيدرالية دون تغيير أو التمهيد لتخفيضات أسرع، وهو ما يسهم بدوره في تضييق الفجوة بين الفائدة الأمريكية واليابانية، خافضاً الضغط الهيكلي عن الين.

وعن السؤال الذي يدور في بعض الأسواق العالمية المتعلق بما إذا كانت الأزمة «مفتعلة» من قبل طوكيو على غرار السياسات النقدية الصينية لتعزيز الصادرات، أجمع خبراء المال والاقتصاد في اليابان على أن انخفاض الين لم يكن سيناريو موجهاً أو مفتعلاً بشكل متعمد، بل جاء نتيجة لاتساع الفجوة الهيكلية بين الفائدة النقدية لبنك اليابان (البالغة 1.0%) وبنك الاحتياطي الفيدرالي (البالغة بين 3.5% و3.75%)، فضلاً عن ارتفاع أسعار النفط والغاز المسال والسياسة المالية التوسعية للحكومة اليابانية.

ورغم أن الين الضعيف يوفر عادة دعماً مؤقتاً لأرباح الشركات اليابانية المصدرة عبر جعل منتجاتها أكثر تنافسية في الخارج، إلا أن تراجعه الحاد والمتسارع تحول من مزية تجارية إلى «كابوس اقتصادي» تسبب في موجة توريد للتضخم المستورد، وأثقل كاهل الأسر اليابانية، وأضر بشعبية إدارة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي.

كما أن استمرار انخفاض الين هدد بنزيف في الاستثمارات المحلية واضطراب في سلاسل التوريد، وهو ما ينفي فكرة تعمد إضعاف العملة للحد الذي يضر بالاستقرار الداخلي.

وعلى صعيد الداخل الياباني، حظي التدخل الأمريكي باهتمام تحليلي واسع في وسائل الإعلام الكبرى ورأي الخبراء. فقد أبرزت صحيفة «نيكي» الاقتصادية أن مشاركة الخزانة الأمريكية تمنح التدخل قوة ردع نفسية تتجاوز بكثير التدخلات الأحادية التي كان يجريها بنك اليابان بمفرده، مشيرة إلى أن السوق كان يراهن دائماً على استنزاف الاحتياطيات اليابانية، بينما دخول واشنطن بطاقتها المالية الكاملة ومبيعات اليورو لشراء الين عبر بنوك مثل «غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي» غير قواعد اللعبة تماماً لدى صناديق التحوط.

أما صحيفة «يوميوري شيمبون» فأشارت إلى أن هذا الدعم المباشر يعكس نقلة نوعية في مفهوم «الأمن الاقتصادي» بين واشنطن وطوكيو، حيث أصبح استقرار الين جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والتحالف الاستراتيجي لمواجهة النفوذ الصيني في آسيا.

وفي السياق ذاته، حذرت صحيفة «أساهي شيمبون» من أن التدخل في سوق الصرف، رغم أهميته الفورية، يظل علاجاً للأعراض وليس للمرض؛ إذ يتوجب على بنك اليابان مواصلة تطبيع سياساته النقدية وتقليص الفارق في أسعار الفائدة للحد من عمليات «تجارة الفائدة» التي تضغط على الين.

ومن جانب خبراء الاقتصاد اليابانيين، قال سوئيتشيرو تاتيشي، الخبير الاقتصادي في «معهد أبحاث اليابان»، إن «تأثير التدخل المشترك سيكون أكثر استدامة وأطول أمداً مقارنة بالتصرف الفردي لليابان، لأن المشاركة الأمريكية تجعل الأسواق تحسب ألف حساب قبل بناء مراكز مدنية ضد الين، حتى إن كان الاتجاه العام للعملة سيتحدد في النهاية بمسار الفائدة الحقيقية».

بينما أكد نوبوياسو أتاغو، رئيس الخبراء الاقتصاديين في «مؤسسة راكوتن للأبحاث الاقتصادية» والمسؤول السابق في بنك اليابان، أن «تأثير نفوذ سكوت بيسنت والإدارة الأمريكية كان حاسماً؛ فالولايات المتحدة باتت تتعامل مع استقرار السوق الياباني كأولوية لحماية سوق السندات الأمريكية نفسه، وهو ما يمنح طوكيو مظلة حماية غير مسبوقة».

وبالنظر إلى مستقبل الين والميزان التجاري بين البلدين، فإن كبح هبوط الين سينعكس بشكل مباشر على التجارة البينية؛ إذ سيزيل الامتياز السعري المفرط للمنتجات والسيارات اليابانية في الأسواق الأمريكية، ما يمنع زيادة الفائض التجاري لصالح اليابان والذي بلغ نحو 63.9 مليار دولار، وفي الوقت ذاته يعزز قدرة طوكيو على استيراد الغاز والنفط والمنتجات الزراعية الأمريكية بتكلفة أقل.

واستشرافاً للمرحلة المقبلة، يتوقع المتابعون للأسواق المالية أن يتجه الين نحو مستويات أكثر استقراراً بين 150 و155 يناً للدولار، شريطة أن تتواصل التنسيقات الثنائية وأن يبدأ الفيدرالي الأمريكي في تخفيض الفائدة بالتوازي مع خطوات تدريجية لبنك اليابان لرفع الفائدة، ما يضمن كبح التضخم المستورد في اليابان وحماية القوة الشرائية للأسر دون حرمان الصادرات اليابانية من تنافسيتها التكنولوجية والصناعية الكبرى.