شهدت منطقة جنوب شرق أوروبا تحركاً عسكرياً وهندسياً استثنائياً لمواجهة أزمة الجفاف الحاد التي تضرب القارة؛ إذ نفذت القوات البحرية وسلاح المهندسين في الجيش الروماني عمليات تفجير تحت الماء باستخدام نحو 180 كيلوغراماً من المتفجرات في قناة "بالا" بالقرب من منطقة "إزفواريلي".

وهدفت هذه التفجيرات المُتحكّم بها إلى تفتيح صخرة غارقة في مجرى النهر كانت تعيق التدفق الطبيعي، وذلك لتحويل مسار مياه نهر الدانوب ونقل كميات إضافية منها نحو مجرى الدانوب القديم لمنح محطة "تشيرنافودا" للطاقة النووية المياه الضرورية لتبريد مفاعلاتها.

ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام في المنطقة ومتابعات إعلامية مجرية غطت أزمة انخفاض مستويات المياه الشديدة في الدانوب، فإن انخفاض منسوب النهر إلى مستويات قياسية لم تشهدها القارة منذ عقود بات يهدد بتوقف المفاعل الثاني في المحطة بعد تعليق العمل بالمفاعل الأول، مما وضع الرومانيين وجيرانهم في وسط أوروبا أمام خيارات اضطرارية وشديدة التعقيد لحماية الأمن الكهربائي.

وأوضحت التغطيات الإعلامية في بودابست أن انخفاض مناسيب مياه الدانوب لم يقتصر تأثيره على حركة الملاحة والتجارة ومحطات الري الزراعي في المجر ورومانيا والصرب فحسب، بل امتد ليزعزع منظومة الطاقة في جنوب شرق أوروبا بأكملها؛ حيث تعتمد محطة "تشيرنافودا" وحدها على توليد نحو 20% من احتياجات رومانيا من الكهرباء.

واعتبر مسؤولون عسكريون وبيئيون أن الحفاظ على تشغيل المفاعل لأيام إضافية عبر هذه العمليات الهندسية الطارئة يفوق بكثير التكلفة المالية للمتفجرات، لا سيما في ظل "حالة الإنذار القومي للطاقة" المعلنة لمواجهة موجة الحر الشديدة والجفاف الذي يحرم المفاعلات النووية من شريان تبريدها الحيوي.

تأتي هذه الأزمة الهيدرولوجية في أوروبا لتتقاطع بشكل مباشر وخطر مع حرب الطاقة الراهنة واشتعال التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث أدت الاضطرابات المستمرة في الإمدادات النفطية وممرات الملاحة البحرية في الشرق الأوسط إلى تقليص هامش المناورة المتاح للدول الأوروبية لتغطية عجزها عبر استيراد المشتقات النفطية أو الغاز الطبيعي.

وبينما كانت الدول الأوروبية تعول على الطاقة النووية والمصادر المحلية لتأمين الاستقرار الكهربائي وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد من مناطق الصراع، جاء الجفاف ليفرض قيوداً غير مسبوقة على إنتاج الطاقة الكهرومائية والنووية في آن واحد.

ويرى محللون في الشأن الاقتصادي والاستراتيجي أن ما شهدته أروقة نهر الدانوب يعكس الهشاشة المزدوجة التي تعاني منها شبكات الطاقة العالمية اليوم؛ فمن جهة تُلقي الصراعات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بظلالها على أسعار ونقل الطاقة التقليدية، ومن جهة أخرى تضغط التغيرات المناخية على البنية التحتية المحلية في قلب أوروبا. هذا التزامن يضع شبكات الإمداد أمام اختبار قسوة مضاعف، إذ يفرض على البلدان الأوروبية الإنفاق على حلول هندسية عسكرية ومكلفة داخل أراضيها لمجرد تأمين مياه التبريد، في وقت ترتفع فيه كلفة أي بديل طاقوي مستورد من خارج القارة نتيجة اشتعال جبهات الطاقة الشرق أوسطية.