في خطوة تعد الأولى من نوعها في التاريخ الحديث للسياسة التجارية الأمريكية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أخيراً عن فرض جولة جديدة من الرسوم الجمركية الانتقامية بنسبة 50% على قائمة واسعة من المنتجات الكندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار.
وتستند هذه القرارات الرئاسية الثلاثة إلى المادة 338 من قانون «سموت-هولي» للتعريفات الجمركية لعام 1930؛ وهو بند قانون حماية قديم يعود إلى زمن الكساد الكبير، يمنح الرئيس صلاحية استثنائية لفرض تعريفات تصل إلى 50% على أصل الواردات من البلدان التي يثبت تمييزها ضد التجارة الأمريكية مقارنة بالدول الأخرى، وهو نص لم يسبق لأي رئيس أمريكي استخدامه لفرض الرسوم منذ إقراره قبل نحو قرن من الزمان.
وفقاً لما أورده تحليل المعهد المستقل المنشور في مجلة «فورتشن» فإن قرار الإدارة الأمريكية جاء رداً على إجراءات كندية اعتبرتها واشنطن مجحفة بحق منتجاتها، وتحديداً القيود والمحظورات التي فرضتها المقاطعات الكندية على المشروبات الكحولية الأمريكية رداً على الرسوم السابقة، إضافة إلى الرسوم والحصص الكندية المقيدة لقطاعي السيارات والألبان. وتتميز هذه الجولة من الرسوم بأنها تتجاوز ولأول مرة قواعد اتفاقية «الولايات المتحدة - المكسيك - كندا» (USMCA)، حيث ستُطبق الرسوم الجديدة - المقرر دخولها حيز التنفيذ في 19 أغسطس بعد انقضاء المهلة القانونية المحتسبة بـ 30 يوماً - حتى على البضائع المؤهلة للإعفاء بموجب الاتفاقية الثلاثية، باستثناء قطاعات حيوية تم استبعادها كالمشتقات النفطية والمعادن الحرجة والأسمدة (البوتاس).
أثار هذا الاستدعاء التاريخي لواحد من أكثر القوانين الحماية إثارة للجدل في التاريخ الاقتصادي موجة واسعة من ردود الأفعال والتحليلات في وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى؛ إذ أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن العودة لرفع سلاح «سموت-هولي» تعكس إصرار الإدارة على البحث عن ثغرات ونصوص قانونية قديمة للالتفاف على القيود القضائية وإعادة بناء الجدار الجمركي بعد قرارات المحكمة العليا الأخيرة التي حدت من بعض صلاحيات الطوارئ الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، اعتبرت شبكة «سي إن إن» أن نكء جراح قانون عام 1930 الذي أدى سابقاً إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية في ثلاثينيات القرن الماضي يمثل مجازفة خطِرة قد تفتح الباب أمام حروب تجارية لا تنتهي مع أقرب حلفاء واشنطن، خاصة بعد إشارات أوتاوا بالرد بالمثل في حال تنفيذ القرار.
من جهتها، أفادت شبكة «أكسيوس» الإخبارية بأن المسؤولين في البيت الأبيض يرون في تفعيل المادة 338 أداة ضغط قصوى لإرغام حكومة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على تقديم تنازلات حاسمة وإلغاء الحظر الإقليمي وفرض قيود الاستيراد قبل انقضاء مهلة الثلاثين يوماً.
وركزت صحيفة «وول ستريت جورنال» على التداعيات الاقتصادية والصناعية للقرار، مشيرة إلى أن تطبيق رسوم بـ 50% على سلسلة التوريد المترابطة بين البلدين من السيارات إلى المنتجات الزجاجية والورقية سيكبد الشركات والمستهلكين في كلا الجانبين تكاليف باهظة، وسيزيد من ضغوط التضخم في الأسواق الأمريكية.
أما صحيفة «واشنطن بوست» فقد وصف المحللون فيها الخطوة بأنها تحول جذري يُسقط الهيكل التقليدي لاتفاقيات التجارة الحرة الشاملة كـ (USMCA)، مشيرين إلى أن لجوء ترامب إلى حفر التاريخ القانوني لإعادة إحياء أحكام حمائية مهجورة منذ عقود يمثل هدماً لأسس حرية التجارة التي بنيت عليها السياسة الخارجية الأمريكية منذ منتصف القرن العشرين.