بينما تُبهر ديزني العالم بسحر شخصياتها في أفلامها وحدائقها الترفيهية، تُدير الشركة خلف الكواليس "إمبراطورية بحرية" صامتة تتجنب أضواء وول ستريت، حيث ترفض الشركة تاريخياً الإفصاح عن تفاصيل أرباحها الدقيقة لهذا القطاع!

وعلى الرغم من الاستفسارات المتكررة من المحللين خلال مكالمات الأرباح، كان الرد دائماً يميل إلى الغموض؛ إذ صرح المدير المالي للشركة، هيو جونستون، بوضوح في العام الماضي قائلاً: "نحن لا نفصل بيانات السفن السياحية".

لكن، تم اختراق هذا الجدار المالي؛ حيث كشفت ملفات رسمية مودعة في المملكة المتحدة -وهي المقر الضريبي الفعلي لسفن ديزني- أن إيرادات الخط البحري تخطت حاجز الـ 3 مليارات دولار لأول مرة في العام الماضي، بعيداً عن تقارير الإفصاح الأمريكية، ومدفوعة بإضافة السفينة السادسة إلى أسطولها ضمن خطة توسعية ضخمة بلغت قيمتها 12 مليار دولار.

تتحول سفن ديزني إلى منصات ترفيهية متكاملة تتجاوز المفهوم التقليدي للرحلات البحرية، لتقدم تجربة عائمة تدمج سحر ديزني بالتكنولوجيا التفاعلية المبتكرة.

أرقام غامضة

لا تقتصر سفن ديزني على كونها وسيلة نقل بحرية، بل هي "حدائق ترفيهية عائمة" تعج بالشخصيات الكرتونية وعروض "برودواي" والمنزلقات المائية الذكية التي تعرض قصص ميكي ماوس أثناء انطلاق الركاب على طوافاتهم.

ويشكل هذا القطاع جزءاً محورياً من قسم "التجارب" (Experiences)؛ المصدر الأكبر للسيولة النقدية في الشركة، حيث حقق 57% من الدخل التشغيلي البالغ 17.6 مليار دولار في عام 2025، وساهم بنحو 40% من إجمالي إيرادات الشركة التي بلغت 94.4 مليار دولار.

بينما تغيب هذه الأرقام عن الإفصاحات الأمريكية، تضيء الملفات المودعة في لندن—لشركة تابعة تُدعى "ماجيكال كروز كومباني" (والتي لا تحمل اسم ديزني، ربما عن قصد)—على النجاح الحقيقي لهذا القطاع.

على الرغم من أن مقر الإدارة يقع بالقرب من أورلاندو في فلوريدا، إلا أن الملكية الرسمية تقع في لندن، مما يمنح ديزني نفوذاً استراتيجياً بعيداً عن أعين الرقابة المباشرة.

مناورة ضريبية

تتخذ ديزني من لندن مقراً لشركتها التابعة لغايات استراتيجية بحتة، مستفيدةً من نظام تنظيمي بريطاني متميز يُعرف بـ "ضريبة الحمولة" (Tonnage Tax).

وبدلاً من دفع ضريبة الشركات التقليدية على الدخل الفعلي، تدفع خطوط الرحلات البحرية المؤهلة معدلات ثابتة بناءً على حمولة أسطولها. هذا الفصل بين الالتزام الضريبي والأرباح يمنح ديزني ميزة تنافسية هائلة، نظراً للهوامش الربحية المرتفعة التي تفرضها على تجربتها الفريدة.

بالإضافة إلى ذلك، يمنح التواجد في المملكة المتحدة وصولاً تاريخياً لخدمات التمويل والتأمين البحري المرموقة، مثل شركة "لويدز أوف لندن"، وهو اختيار لوجستي عززه بناء سفنها الأولى (ديزني ماجيك وديزني ووندر) في حوض "فينكانتييري" الإيطالي القريب.

يفرض هذا الهيكل القانوني البريطاني على ديزني الإفصاح عن بياناتها المالية سنوياً، مما كشف قفزة في الإيرادات بنسبة 20.3% بالتزامن مع إطلاق السفينة السادسة "ديزني تريجر" في ديسمبر 2024، في وقت سجلت فيه الصناعة العالمية رقماً قياسياً بلغ 37.2 مليون راكب.

جذور قديمة

تعود جذور علاقة ديزني بالمملكة المتحدة إلى منتصف الثمانينيات، حين بدأت أولى تجاربها البحرية بشراكة مع "بريمير كروز لاينز" المملوكة آنذاك لشركة "غريهاوند".

وبعد فشل محاولات لاحقة للشراكة مع "كارنيفال" و"رويال كاريبيان"، قررت ديزني الانفراد بقرارها وإطلاق سفينتها الأولى "ديزني ماجيك" (85 ألف طن و875 غرفة) عام 1998، معززةً ذلك باستئجار جزيرة خاصة في البهاما (غوردا كاي سابقاً) لمدة 99 عاماً، لتصبح أول شركة تتيح رصيفاً خاصاً لسفنها بالرسو المباشر بدلاً من قوارب النقل.

أدى التوسع الأخير وزيادة طاقم العمل بـ 1765 موظفاً إلى ارتفاع تكاليف التشغيل بنسبة 31.4% (إلى 437.2 مليون دولار)، مما تسبب في انخفاض صافي الأرباح بنسبة 12.9% ليصل إلى 302.7 مليون دولار.

طموح آسيوي

يؤكد جيف سوينديل، نائب الرئيس الأول للتمويل في "ديزني سيغنيتشر إكسبيرينسز"، أن الشركة حافظت على ربحية عالية رغم التكاليف التأسيسية المرتبطة بإطلاق "ديزني ديستني" و"ديزني أدفنتشر".

وتعد "ديزني أدفنتشر" (2111 غرفة) واحدة من أكبر السفن عالمياً، وقد استحوذت عليها ديزني بصفقة بلغت 44 مليون دولار فقط بعد تعثر مالكها السابق.

وتم إطلاقها في سنغافورة بعرض استثنائي حضره روبرت داوني جونيور، مما يعكس رؤية ديزني لآسيا كمنطقة نمو ديناميكية وذات ثقافة متنوعة.

ترى ديزني في المنطقة الآسيوية إمكانات هائلة للنمو بناءً على قاعدة معجبيها الواسعة، مع وجود متسع كبير للتوسع في الحصة السوقية العالمية انطلاقاً من البصمة الحالية للأسطول.

أسطول مستقبلي

تخطط ديزني لإضافة 5 سفن جديدة بحلول عام 2031، ضمن استثمار ضخم قدره 60 مليار دولار في قطاع التجارب، يخصص 20% منه للرحلات البحرية.

ومن المثير للاهتمام أن إحدى السفن الجديدة لن تكلف الشركة شيئاً، حيث ستُدار بترخيص كامل في اليابان بواسطة "أورينتال لاند كومباني" (OLC).

وتتوقع الشركة اليابانية أن تحقق السفينة الواحدة مبيعات سنوية تصل إلى 650 مليون دولار بهامش ربح 26.7%.

وعلى الرغم من أن ديزني لا تزال تمتلك حصة سوقية متواضعة تقدر بـ 3.1% (مليون راكب) مقارنة بـ 6.8 مليون لشركة "كارنيفال"، إلا أن مؤشرات التوسع  التي تشهدها الشركة خلال عام 2026 تؤكد أنها في طريقها لتجاوز كونها مجرد "لاعب صغير"، لتتحول إلى قوة عظمى فاعلة ومؤثرة في بحار العالم.