في أروقة الشركات العائلية الكبرى، يجري التحضير لعملية استلام وتسليم قد تكون الأضخم في التاريخ المالي الحديث. نحن لا نتحدث هنا عن تقلبات السوق، بل عن "انتقال الثروة العظيم" الذي يضع 124 تريليون دولار على المحك. لقد انقلبت موازين اللعبة؛ حيث أصبح توريث الشركات هو المسار المفضل لدى أثرياء أمريكا متجاوزاً عمليات البيع التقليدية.

ومع انتقال هذه الأصول الضخمة إلى الأجيال الشابة، يطرح المشهد الاقتصادي تساؤلاً وجودياً: هل نحن أمام ولادة طبقة جديدة من "المُلاك" الذين سيعيدون صياغة قواعد الاقتصاد الأمريكي وفق أجندتهم الخاصة، وهل سيغير هذا التوريث الممنهج وجه الدولة إلى الأبد؟

كشفت دراسة حديثة أجراها "بنك أوف أمريكا" حول الأثرياء الأمريكيين أن حصة الشركات التي يتم توريثها بين الأثرياء في عام 2026 من المتوقع أن تصل إلى 23%، مقابل 11% للشركات التي يتم شراؤها، وهو انحراف عن النمط السابق الذي كان يشهد شراء شركات أكثر مما يتم توريثه.

فعلى سبيل المثال، ووفقاً لبيانات البنك، كانت نسبة الشركات التي تم شراؤها في عام 2022 تبلغ 28% مقارنة بـ 5% فقط تم توريثها.

وقد استطلع الباحثون آراء 1400 شخص من البالغين الأمريكيين الذين يمتلكون ما لا يقل عن 3 ملايين دولار كأصول قابلة للاستثمار، وذلك للنظر بشكل خاص في كيفية ادخار الأفراد ذوي الملاءة المالية العالية لثرواتهم وتمريرها للأجيال التالية.

ويلعب الأثرياء دوراً هائلاً في هذا الانتقال، حيث يتركز تراكم الثروة بشكل كبير في القمة. وقد أثارت هذه الكمية الهائلة من الثروة التي تنتقل عبر الأجيال تساؤلات حول كيفية تشكيل الاقتصاد من قبل الشباب والأثرياء.

وفي هذا الصدد، أشار تقرير صادر عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن الطريقة التي تتغير بها ملكية الأصول -في هذه الحالة الشركات- يمكن أن تقدم أحياناً إضاءة على الأنماط الاقتصادية الأوسع.

يفيد التقرير بأن ارتفاع حصة الشركات التي يتم توريثها يعد علامة على زيادة تركز الثروة، وهي ظاهرة حظيت باهتمام وسط مخاوف متزايدة بشأن القدرة على تحمل التكاليف والاقتصاد "على شكل حرف K"؛ وهو مصطلح اقتصادي يصف حالة التباعد الحاد في المسارات المالية، حيث يشهد جزء من الاقتصاد (العلوي) نمواً مزدهراً وتراكماً مستمراً للثروة، بينما يعاني الجزء الآخر (السفلي) من انكماش وتحديات معيشية، مما يعمق الفجوة بين الأثرياء الذين يراكمون أصولهم، والفقراء الذين يكافحون لتغطية نفقاتهم الأساسية.

ووفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، فإن الـ 1% الأغنى من الأسر الأمريكية يمتلكون ما يقرب من ثلث ثروة البلاد، أي ما يعادل حوالي 44 تريليون دولار، وهو ما يساوي ثروة الـ 90% الأفقر من الأسر الأمريكية مجتمعة.

وأكد التقرير: "لدينا الكثير من إنشاء الأعمال في الولايات المتحدة، وهذا أمر جيد جداً بشكل عام، وهو يميل إلى توليد توزيع ثروة منحاز للقمة بالنسبة للمالكين الذين لديهم الكثير من الموارد بطبيعة الحال. والسؤال المثير للاهتمام للمستقبل هو: ما هي حصة تلك الثروة التي يورثونها لأبنائهم عندما يصلون إلى نهاية حياتهم؟".

ويشير التقرير إلى أنه لعقود من الزمن، كان هناك نمط عكسي بين الثروة وعدد الأطفال، حيث كان الأفراد الأكثر ثراءً ينجبون عدداً أقل من الأطفال. وهي دورة ظهرت خلال الثورة الصناعية، على الرغم من أن الاقتصاديين كافحوا للوصول إلى استنتاج نهائي حول سبب ذلك. وفي حين أنه قد يكون هناك الآن انهيار لهذا الاتجاه في بعض أجزاء العالم، حيث بدأ الأثرياء في إنجاب المزيد من الأطفال، يجادل التقرير بأن الثروة تصبح أقل توزيعاً في عائلة لديها طفل واحد مقارنة بعائلة لديها ستة أطفال.

قد تكون الزيادة في الشركات المورثة أيضاً جزءاً من اتجاه بقاء الشركات خاصة لفترة أطول، حيث يصعب تسييل الشركات الخاصة. وقد أشار كبير الاقتصاديين في "أبولو" إلى ارتفاع في متوسط عمر الشركات التي تطرح للاكتتاب العام منذ عام 2022، وهو العام الذي بدأ فيه الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة. وقد تزامن هذا الاتجاه مع طفرة في رأس المال الخاص، مما مكن الشركات الأكبر حجماً من جمع المليارات من خلال تمويل رأس المال الاستثماري والأسهم الخاصة بدلاً من الأسواق العامة.

الضرائب والتوريث

في حين أن توريث الأثرياء الأمريكيين للشركات يتماشى مع الاتجاهات الاقتصادية لتركز الثروة وزيادة نضج الشركات الخاصة، يلاحظ التقرير أن عوامل أخرى قد تشكل هذا النمط.

يوضح التقرير: "نحن نعيش حالياً وضعاً غريباً جداً" فيما يتعلق بفرض الضرائب على الثروة المورثة. على مدى السنوات الـ 25 الماضية، قامت الولايات المتحدة بتغيير جذري في ضريبة التركات الفيدرالية، حيث رفعت مؤخراً حد الإعفاء إلى 15 مليون دولار للشخص الواحد بموجب قانون "One Big Beautiful Bill Act".

وفي الوقت نفسه، أبقت الولايات المتحدة على بند "تعديل أساس التكلفة عند الوفاة"، وهو بند يلغي ضريبة الأرباح الرأسمالية على ارتفاع قيمة الأصل الذي حدث خلال حياة المالك الأصلي للأصل.

ويضيف التقرير: "إنه يشبه ميزة ضريبية، أو هبة ضريبية للأشخاص الذين يمررونها إلى الورثة، بدلاً من العكس".

قد يؤدي النظام الضريبي الحالي إلى تحفيز الأثرياء الأمريكيين على الاحتفاظ بالأصول لفترة أطول قبل تمريرها، مما يطيل أمد "انتقال الثروة العظيم" إلى حد ما، ولكنه يعظم المكاسب للجيل القادم من الورثة.

وعلى الرغم من أن "بنك أوف أمريكا" لم يقدم بيانات محددة حول المدة التي يحتفظ فيها المالكون الأصليون بشركاتهم وأصولهم الأخرى، إلا أن التقرير ذكر أن "جزءاً ملحوظاً" من أصحاب الأعمال ليس لديهم خطط للخروج من شركاتهم، وأن الغالبية لديهم خطط لنقل الملكية أو بيعها في نهاية المطاف إلى الورثة من العائلة.

ويختتم التقرير تحليله: "قد يكون هذا جزءاً من السبب في أن الناس يتمسكون بهذه الشركات لفترة أطول، ثم يسلمونها للورثة. ويمكن للورثة بعد ذلك إما طرحها للاكتتاب العام، أو بيعها، أو الاحتفاظ بها".