عندما تتوقف في محطة الوقود لملء سيارتك، فإن كمية البنزين أو الديزل تُقاس بالغالونات أو اللترات، لأن الوقود سائل ويُتداول عادةً وفق حجمه. لكن الأمر يختلف تماما في عالم الطيران، إذ لا يهتم الطيارون والمهندسون بعدد الغالونات الموجودة داخل خزانات الطائرة، بل يركزون على شيء آخر أكثر أهمية وهو وزن الوقود.
ولهذا السبب، يُقاس وقود الطائرات بالرطل أو الكيلوغرام، وليس بالحجم كما هو الحال في السيارات. وقد يبدو ذلك غريبا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يعتمد على مبادئ فيزيائية وهندسية ترتبط مباشرة بسلامة الطائرة وأدائها أثناء التحليق.
على سطح الأرض، لا يلاحظ معظم الناس تغيرا في حجم السوائل، لأن درجات الحرارة والضغط الجوي تبقى ضمن نطاقات مستقرة نسبيًا. لذلك يبدو قياس الوقود بالحجم أمرًا طبيعيًا.
لكن الطائرات لا تبقى على سطح الأرض، بل ترتفع إلى ارتفاعات شاهقة تصل إلى أكثر من 10 آلاف متر، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل كبير ويتغير الضغط الجوي بصورة ملحوظة.
وفي هذه الظروف، يتمدد الوقود أو ينكمش تبعًا لدرجة الحرارة، ما يعني أن حجمه قد يتغير أثناء الرحلة. أما كتلته أو وزنه، فلا يتأثران بهذه التغيرات، وهو ما يجعل الوزن المعيار الأكثر دقة لحساب كمية الوقود المتاحة للطائرة.
الوزن أساس سلامة الطيران
لا يتعلق الأمر بقياس الوقود فقط، بل بوزن الطائرة بالكامل.
فالوزن يعد أحد أهم العناصر التي يعتمد عليها الطيار قبل الإقلاع وأثناء الرحلة وحتى لحظة الهبوط، إذ تؤثر أي زيادة أو نقص في الوزن على أداء الطائرة، ومدى استهلاكها للوقود، وسرعة إقلاعها، وقدرتها على المناورة والهبوط بأمان.
ولهذا السبب، تعتمد جميع حسابات الطيران تقريبًا على الوزن، وليس على الحجم، لأن الوزن هو الذي يحدد قدرة الطائرة على التحليق بأمان وكفاءة، وفقا لموقع"slashgear".
يظهر هذا الأمر بوضوح في الطائرات العسكرية مثل المقاتلة F-15 Eagle، التي تستطيع حمل ما يصل إلى 36,200 رطل من الوقود موزعة بين خزاناتها الداخلية والخارجية.
ولا تكفي معرفة كمية الوقود الموجودة داخل الخزانات، بل يجب أيضًا معرفة وزنها، وكيفية توزيعها بين الخزانات المختلفة، ومعدل استهلاك المحركات لها، لأن ذلك يؤثر بصورة مباشرة في توازن الطائرة وكفاءتها أثناء تنفيذ المهام.
وينطبق المبدأ نفسه على الطائرات المدنية، التي تعتمد أيضا على حساب وزن الوقود بدقة قبل كل رحلة.
استهلاك الوقود يتغير أثناء الرحلة
لا تستهلك الطائرة الوقود بالمعدل نفسه طوال الرحلة، ففي مرحلة الإقلاع والصعود إلى الارتفاع المطلوب، تعمل المحركات بأقصى طاقتها تقريبا، ما يؤدي إلى استهلاك كمية كبيرة من الوقود خلال وقت قصير.
لكن بعد الوصول إلى الارتفاع المخصص للطيران، تقل كثافة الهواء، فتعمل المحركات بكفاءة أعلى، وينخفض معدل استهلاك الوقود تدريجيا.
ولهذا يحتاج الطيار إلى معرفة الوزن الحقيقي المتبقي من الوقود في كل لحظة، وليس حجمه، حتى يتمكن من إدارة الرحلة بأقصى درجات الكفاءة والأمان.
لماذا قد تضطر الطائرة إلى التخلص من الوقود؟
من الحقائق التي قد تبدو غريبة أن كثيرًا من الطائرات لا يُسمح لها بالهبوط وهي تحمل الوزن نفسه الذي أقلعت به.
فعلى سبيل المثال، تمتلك طائرات الركاب مثل إيرباص A320neo حدًا أقصى لوزن الإقلاع، بينما يكون الحد الأقصى المسموح به للهبوط أقل من ذلك.
وفي حال تعرضت الطائرة لحالة طارئة بعد وقت قصير من الإقلاع واضطرت إلى العودة للمطار، فقد يكون وزنها ما يزال أعلى من الحد الآمن للهبوط، بسبب امتلاء خزانات الوقود.
وفي مثل هذه الحالات، قد يضطر الطيار إلى التخلص من جزء من الوقود قبل الهبوط، حتى تصل الطائرة إلى الوزن المسموح به وتتفادى تعريض هيكلها أو معدات الهبوط لضغط يفوق الحدود التصميمية.
لماذا الرطل وليس الغالون؟
يعتمد الطيران على الرطل أو الكيلوغرام لأنهما يوفران قياسا ثابتا لا يتغير مع تغير درجات الحرارة أو الارتفاعات.
أما قياس الوقود بالحجم، فقد يؤدي إلى اختلافات في الحسابات بسبب تمدد الوقود أو انكماشه أثناء الرحلة.
ولهذا فإن الاعتماد على الوزن يجعل جميع حسابات الوقود والأداء أكثر دقة، ويسهل توحيد المعايير بين شركات الطيران والمصنعين والطيارين حول العالم.
قد يبدو استخدام الرطل بدلًا من الغالون مجرد اختلاف في وحدات القياس، لكنه في الحقيقة جزء أساسي من منظومة السلامة الجوية.
فكل رطل من الوقود يؤثر في وزن الطائرة، ومدى طيرانها، واستهلاكها للطاقة، وقدرتها على الإقلاع والهبوط بأمان، ولذلك يظل الوزن هو اللغة الأساسية التي يتعامل بها الطيارون والمهندسون عند الحديث عن وقود الطائرات، مهما اختلف نوع الطائرة أو وجهتها.