في قلب الأجهزة الأكثر تحصيناً في الولايات المتحدة، تكشفت عملية احتيال لم يسبق لها مثيل؛ حيث تبخرت سبائك ذهبية تُقدّر بـ 40 مليون دولار من داخل عهدة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). وبينما تلاحق التحقيقات الجنائية "ديفيد راش"، المسؤول الذي أدار برامج سرية بامتيازات مطلقة، تتصاعد مخاوف المؤسسة الأمنية من أن تقود هذه المحاكمة إلى "ثقب أسود" قد يكشف تفاصيل عمليات استخباراتية بالغة الحساسية، في اختبار هو الأصعب للوكالة منذ عقود، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال».
سقوط المسؤول
تتركز الأنظار اليوم حول "ديفيد راش"، المسؤول البارز في مديرية العلوم والتكنولوجيا بالوكالة، الذي كان يشغل موقعاً إدارياً يعادل رتبة "جنرال". الرجل الذي كان مكلفاً بتطوير تقنيات التجسس وجد نفسه في قلب تحقيق فيدرالي بعد إحالة من وكالة الاستخبارات المركزية إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بشأن شبهات تزوير سجلات دوامه الوظيفي، حيث تشير السلطات إلى تقاضيه رواتب عن فترات ادعى فيها خدمته كضابط احتياط في البحرية، رغم إنهاء خدمته قبل عقد من الزمن.
وبحسب أشخاص مطلعين على الملف، استغل راش موقعه لإدارة برنامج استخباراتي "أصلي" وافق عليه الكونغرس، لكنه ابتكر بجانبه "برنامجاً وهمياً" صنّفه ضمن فئة "برامج الوصول الخاص" (SAP) – وهي أعلى درجات السرية. ولإضفاء صبغة الواقعية، أقنع المسؤولين بضرورة تمويل مشروعه المرتبط بـ "خطط استمرارية عمل الحكومة"، حيث خُصصت عشرات الملايين من الدولارات لشراء سبائك ذهبية، قبل أن يكتشف المحققون اختفاءها من أماكن التخزين المؤمنة.
في مايو الماضي، وخلال مداهمة منزله في ولاية فرجينيا، عثر عملاء الـ (FBI) –وفقاً للتحقيقات– على أكثر من 600 رطل من سبائك الذهب، إضافة إلى مليوني دولار نقداً وساعات فاخرة من علامة «رولكس». ويعتقد مطلعون أن القواعد الأمنية الصارمة للـ "برامج السوداء" التي تمنع مناقشة تفاصيل العمليات، ساهمت بشكل غير مقصود في تسهيل عملية الاحتيال ونقل مئات السبائك بعيداً عن الرقابة.
مخاوف استخباراتية
كشفت وثائق المحكمة عن تناقضات في مؤهلات راش؛ فبينما ادعى في نماذج رسمية حصوله على درجة الماجستير في علوم الحاسوب، أشار في أخرى إلى تخرجه في الهندسة الكهربائية، وهو ما أثبتت المراجعات اللاحقة عدم وجود سجلات له فيه. كما أفادت البحرية وإدارة الطيران الفيدرالية بأنه لم يكن يوماً "طيار اختبار" كما زعم، بل إنه لا يحمل أي رخصة طيران من الأساس.
يرى مسؤولون سابقون –من بينهم مارك فاولر، المسؤول الذي قاد عمليات ضد إيران– أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال نشر معلومات أمنية حساسة أثناء المحاكمة. ويستحضر هؤلاء حادثة عام 1974، حين أدى اقتحام مكتب الملياردير هوارد هيوز إلى كشف مشروع "غلومار" السري لانتشال غواصة سوفياتية، وهو ما دفع البيت الأبيض لإلغاء المهمة خشية رد الفعل السوفياتي. ومن تلك الأزمة ترسخ مبدأ "رد غلومار" في الوكالة، الذي يقضي بأنها "لا تؤكد ولا تنفي" أي نشاط سري.
وعند سؤال وكالة الاستخبارات المركزية عن القضية، اكتفت بالتأكيد أنها والـ (FBI) "ملتزمان باتباع الحقائق، وضمان المساءلة، وتحقيق العدالة"، بينما امتنع محامي راش عن التعليق. وفي هذا السياق، أوضح داريل بلوكر، النائب السابق لمدير مركز مكافحة الإرهاب بالوكالة، أن المؤسسة تشعر بقلق بالغ من استغلال محامي الدفاع لهذه الحساسية للضغط من أجل تسويات جنائية تحد من تداول المعلومات أمام الرأي العام، في قضية قد تهدد بكشف أسرار الظل التي ظلت طي الكتمان لسنوات.