تكبدت أسعار النفط العالمية خسائر حادة تجاوزت 5.66% خلال تعاملات الثلاثاء، لتتراجع إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاثة أشهر، وسط موجة تفاؤل في الأسواق بإمكانية التوصل إلى اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب ويفتح الطريق أمام استئناف تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

وتراجع خام برنت بنحو 4.29 دولارات أو 5% إلى 79.10 دولاراً للبرميل، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.82 دولارات أو 5.68 % إلى 76.15 دولاراً للبرميل، بعدما فقد الخامان قرابة 5% من قيمتهما أيضاً في جلسة الاثنين، في أكبر موجة هبوط متتالية منذ اندلاع الأزمة الجيوسياسية في المنطقة أواخر فبراير الماضي.

ويعكس هذا التراجع السريع تحولاً جذرياً في توقعات الأسواق، بعدما كانت المخاوف من إغلاق مضيق هرمز قد دفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة خلال الأشهر الماضية. ويُعد المضيق ممراً حيوياً يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما جعله محوراً رئيسياً لتقلبات أسواق الطاقة منذ بداية الحرب.

أدى الإعلان الأمريكي عن اتفاق مبدئي مع إيران يتضمن تمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز إلى تغيير سريع في مزاج المستثمرين، حيث بدأت الأسواق بتسعير عودة تدريجية لصادرات النفط الخليجية وتراجع مخاطر الإمدادات العالمية.

وبالتوازي مع ذلك، خفضت مؤسسات مالية كبرى، من بينها غولدمان ساكس ومورغان ستانلي وسيتي، توقعاتها لأسعار النفط خلال الفترة المقبلة، في إشارة إلى تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الأسعار منذ أشهر.

ورغم هذه التوقعات الإيجابية، يحذر محللون من أن عودة حركة الشحن والطاقة إلى مستوياتها الطبيعية لن تكون فورية، إذ قد تستغرق أسابيع بسبب متطلبات إعادة تشغيل خطوط الملاحة وتأمين السفن وإزالة المخاطر المرتبطة بفترة الإغلاق.

وقبل اندلاع الحرب في أواخر فبراير، كان النفط يتداول بين 65 و70 دولاراً للبرميل، لكن المخاوف من اضطراب الإمدادات دفعت الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير خلال الأشهر الماضية.

ومع التراجع الأخير، اقترب خام برنت مجدداً من حاجز 80 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ أوائل مارس، بينما سجل أدنى مستوى إغلاق محتمل منذ بداية الشهر ذاته، ما يعكس انحسار المخاوف بشأن نقص الإمدادات العالمية.

كما دخل خام برنت منطقة «ذروة البيع» فنياً لثلاث جلسات متتالية، في إشارة إلى قوة موجة البيع التي اجتاحت الأسواق عقب الإعلان عن الاتفاق.

ضغوط

إلى جانب التطورات الجيوسياسية، تعرضت الأسعار لضغوط إضافية من توقعات بانخفاض مخزونات النفط الخام الأميركية بنحو 4.5 ملايين برميل خلال الأسبوع الماضي، ما يعكس استمرار التقلبات في سوق الطاقة العالمية.

وفي المقابل، يراقب المستثمرون قدرة السوق على استيعاب عودة محتملة للإمدادات الخليجية، خاصة إذا نجحت الأطراف المعنية في تثبيت الاتفاق وتحويله إلى تسوية طويلة الأمد.

انعكس هبوط أسعار النفط بشكل إيجابي على أسواق الأسهم الأمريكية، إذ ارتفع مؤشر داو جونز بنحو 395 نقطة، بينما اقترب مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مجدداً من مستوياته القياسية، مستفيداً من تراجع الضغوط التضخمية وانخفاض تكاليف الطاقة.

ويرى المستثمرون أن انخفاض أسعار النفط قد يمنح الاقتصاد الأمريكي دفعة إضافية عبر تخفيف أعباء الوقود على المستهلكين والشركات، ما يعزز فرص استمرار النمو الاقتصادي خلال النصف الثاني من العام.

عوامل جيوسياسية

رغم التفاؤل السائد، لا تزال الأسواق تتعامل بحذر مع التطورات السياسية، إذ إن أي تعثر في تنفيذ الاتفاق أو تأخر في استعادة حركة الملاحة الكاملة عبر مضيق هرمز قد يعيد المخاطر الجيوسياسية إلى الواجهة سريعاً.

لكن في حال نجاح الاتفاق واستعادة التدفقات النفطية بصورة طبيعية، فإن أسواق الطاقة قد تدخل مرحلة جديدة تتسم بتراجع علاوات المخاطر وعودة التركيز إلى أساسيات العرض والطلب، بعد أشهر من هيمنة العوامل الجيوسياسية على حركة الأسعار العالمية.