تشير التطورات الأخيرة في أستراليا إلى مرحلة أكثر حساسية في علاقة الحكومة مع شركات المحاسبة والاستشارات الكبرى، بعد أن فجرت فضيحة «كيه بي إم جي» الجديدة جدلاً واسعاً حول معايير الحوكمة والشفافية داخل ما يُعرف بـ«الأربع الكبرى»، في وقت كانت فيه الصناعة بالفعل تحت ضغط متزايد عقب تداعيات فضائح سابقة طالت PwC.
وتكشف البيانات أن الأزمة لم تعد حالة فردية، بل تحولت إلى اتجاه هيكلي يطال نموذج عمل القطاع بأكمله، حيث تراجعت العقود الحكومية الجديدة الممنوحة لشركات «كيه بي إم جي» وPwC وDeloitte وEY إلى نحو 348 مليون دولار أسترالي في 2025، مقارنة بـ637 مليون دولار في العام السابق، في انعكاس مباشر لتزايد الحذر الرسمي تجاه هذا القطاع، الذي يشكل نحو 1.8 مليار دولار أسترالي من حجم الخدمات المهنية الحكومية.
وتأتي فضيحة «كيه بي إم جي» الأخيرة، المرتبطة بمزاعم تسريب معلومات سرية، بهدف الحصول على عقود تدقيق، لتعمق حالة عدم الثقة، خصوصاً بعد استقالات قيادية داخل الشركة، وإطلاق مراجعة مستقلة لممارساتها، كما دفعت الحكومة الأسترالية إلى استبعاد الشركة من التقدم بعطاءات فيدرالية جديدة حتى نهاية سبتمبر، في خطوة تعكس تحولاً واضحاً نحو تشديد الرقابة، وتقليص الاعتماد على الاستشارات الخارجية الكبرى.
وتشير المعطيات إلى أن «كيه بي إم جي» لا تزال تمتلك عقوداً حكومية نشطة بنحو 650 مليون دولار أسترالي، ما يجعل تداعيات الأزمة محتملة التأثير على جزء كبير من أعمالها المستقبلية، في حال اتسع نطاق القيود أو امتد إلى حكومات الولايات أو مؤسسات مالية كبرى مثل البنك المركزي الأسترالي.
وتضع هذه التطورات القطاع بأكمله أمام اختبار وجودي، إذ يرى محللون أن سلسلة الفضائح - بدءاً من أزمة PwC في 2023، مروراً بحوادث تضليل تقارير لدى Deloitte، وصولاً إلى اتهامات «كيه بي إم جي» الحالية - تدفع نحو إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة وشركات الخدمات المهنية، وربما تفكيك نموذج الدمج بين التدقيق والاستشارات، الذي طالما شكّل مصدر قوة لهذه الشركات.
ويعكس تراجع العقود الحكومية أيضاً تغيراً في فلسفة الإدارة العامة في أستراليا، التي باتت أكثر ميلاً للحد من الاعتماد على مزودي الخدمات الخارجيين بعد سلسلة من الإخفاقات المرتبطة بالسرية والحوكمة، وسط دعوات سياسية متزايدة لإعادة تنظيم القطاع وفرض قيود هيكلية أكثر صرامة، بما في ذلك الفصل بين الأنشطة الاستشارية والتدقيقية، وتقييد تضارب المصالح.
وفي ظل هذا المشهد يبدو أن الأزمة لم تعد مرتبطة بسلوك شركة واحدة، بل أصبحت مؤشراً على تحول أوسع في سوق الاستشارات الحكومية، حيث تتآكل تدريجياً الثقة التي بُني عليها توسع «الأربع الكبرى»، لصالح نموذج أكثر تحفظاً ورقابة من قبل الدولة، قد يعيد رسم خريطة هذا القطاع في السنوات المقبلة.