لم تعد الدمية، في صورتها الجديدة، شيئاً صغيراً يُترك على رف الطفولة أو في زاوية غرفة البنات. فقد خرجت بعض الدمى من عالم اللعب البسيط إلى منطقة أكثر تعقيداً، حيث يلتقي الفن بالتجارة، والحنين بالفقد، والرغبة في الرعاية بالحاجة إلى الرفقة. ومن بين هذه الظواهر تبرز دمى الـ “Reborn”، وهي دمى أطفال شديدة الواقعية، تُصنع وتُلوّن وتُجهّز حتى تبدو أحياناً كأنها رضيع حقيقي نائم بين ذراعي صاحبه.

واقعية مفرطة

تقوم فكرة دمى "ريبورن" على خداع العين بلطف، لا بخداعها وحدها بل بخداع حاسة اللمس أيضاً. فهذه الدمى لا تُصنع عادة كالألعاب التقليدية، بل تمر بعملية دقيقة تشمل طبقات متعددة من التلوين اليدوي، ومحاكاة احمرار الجلد، والعروق الصغيرة، وثنيات الكفين والقدمين، وزرع الشعر خصلة خصلة في بعض النماذج، وإضافة وزن داخلي يجعل حملها قريباً من حمل طفل حقيقي. بعض الدمى تُصنع من الفينيل، وبعضها من السيليكون، وتختلف درجات الواقعية بحسب الخامة، والحرفي، والتفاصيل، والسعر. ولهذا يمكن أن تبدو الدمية، من بعيد أو في صورة عابرة على الهاتف، أقرب إلى طفل نائم منها إلى منتج فني.

سوق صغير

ورغم أن هذا العالم يبدو للوهلة الأولى شديد الخصوصية، فإنه تحوّل إلى سوق له صُنّاعه وجامعوه ومنصاته ومعارضه. وتشير تقارير سوقية حديثة إلى أن سوق الدمى السيليكونية، الذي يشمل ضمن فئاته دمى الأطفال الواقعية والـ"ريبورن" ، قُدّر بنحو 41.9 مليون دولار في عام 2024، مع توقعات بوصوله إلى 56 مليون دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.3%. وهذا الرقم، وإن بدا صغيراً إذا قورن بأسواق الألعاب العالمية الكبرى، يكشف عن سوق متخصص لا يقوم على الكمية وحدها، بل على الندرة، والحرفة، والطلب العاطفي، والقدرة على دفع مبالغ عالية مقابل قطعة تبدو فريدة.

أسعار عالية

في هذا السوق، لا تُقاس الدمية بعدد القطع المنتجة فقط، بل بمدى قربها من الحياة. لذلك يمكن أن تبدأ بعض الدمى بأسعار متواضعة نسبياً، لكنها قد تصعد إلى آلاف الدولارات حين تكون مصنوعة يدوياً أو من السيليكون عالي الجودة أو بتفاصيل شديدة الدقة. وقد ذكرت تقارير صحفية أن بعض الدمى تُباع بما يصل إلى 5,000 دولار، بينما أشارت تقارير أخرى إلى نماذج قد تصل إلى 8,000 أو حتى 10,000 دولار في حالات معينة، خصوصاً حين تكون من أعمال فنانين معروفين أو مصنوعة بالكامل من السيليكون الفاخر.

حرفة دقيقة

ولا تأتي هذه الأسعار من فراغ. فصانعو هذه الدمى لا يبيعون قالباً جاهزاً فحسب، بل يبيعون ساعات طويلة من العمل اليدوي. كل طبقة لون توضع لتقريب الجلد من الحياة، وكل خصلة شعر تُزرع لتجعل الرأس أكثر صدقاً، وكل تفصيل في الشفاه والأظافر والجفون يضيف إلى تلك المسافة الغريبة بين الجماد والكائن الحي. ولهذا ينظر كثير من الجامعين إلى هذه الدمى كقطع فنية لا كألعاب. إنها، في نظرهم، منحوتات ناعمة للطفولة، أو محاولات دقيقة للإمساك بصورة الرضيع في لحظة سكون.

طلب عاطفي

يأتي جزء كبير من الطلب على دمى "ريبورن" من مساحة عاطفية شديدة الحساسية. فبعض المشترين ينجذبون إليها بوصفها قطعاً قابلة للجمع، وبعضهم يجد فيها راحة نفسية أو نوعاً من الرفقة، وبعضهم يستخدمها في سياقات مرتبطة بالحزن أو الفقد أو القلق.

وقد أشارت تقارير صحفية ونفسية إلى أن بعض الأشخاص، خصوصاً من مروا بتجارب فقد الحمل أو فقد طفل، يجدون في هذه الدمى وسيلة رمزية للتعامل مع مشاعر يصعب التعبير عنها، بينما يستخدمها آخرون ببساطة لأنهم يجدون في رعايتها هدوءاً أو متعة أو طقساً يومياً مريحاً.

علاج محتمل

وتظهر الدمى الواقعية أيضاً في بعض النقاشات المتعلقة برعاية كبار السن ومرضى الخرف أو ألزهايمر. فبحسب "لايف ستانس هيلث"، قد تُستخدم دمى الأطفال الواقعية في رعاية بعض مرضى الخرف وألزهايمر للمساعدة على الراحة والانخراط وتقليل الخوف أو التهيج لدى بعض الحالات، خصوصاً حين تثير الدمية ذكريات أو سلوكيات رعاية مألوفة. ومع ذلك، يبقى استخدامها حساساً ويحتاج إلى فهم الحالة الفردية، لأن الدمية ليست علاجاً عاماً ولا تصلح للجميع، بل قد تكون أداة مساعدة في سياقات محددة وتحت إشراف مناسب.

مجتمع متصل

مثل كثير من الأسواق العاطفية الجديدة، لم تنمِ دمى "ريبورن" شعبيتها عبر المتاجر فقط، بل عبر الإنترنت أيضاً. على منصات التواصل، فيعرض المالكون دماهم كما تُعرض اليوميات الصغيرة: ملابس، عربات، زجاجات رضاعة، جلسات تصوير، أسماء، وقصص.

 وفي بعض المعارض المتخصصة، يحضر الناس ومعهم دماهم، يلبسونها ويصورونها ويتبادلون الخبرات حول الفنانين والخامات والأسعار. وقد ذكرت تقارير صحفية أن أحد معارض الدمى في الولايات المتحدة جذب أكثر من 1,500 شخص، وهو رقم يوضح كيف تحولت الهواية من اقتناء فردي صامت إلى مجتمع مرئي له لغته وطقوسه.

اقتصاد التفاصيل

ما يجعل هذا السوق لافتاً أنه لا يبيع الدمية وحدها، بل يبيع كل ما حولها. فهناك ملابس بمقاسات الرضع، وأسرّة صغيرة، وعربات، وبطانيات، وحفاضات، وإكسسوارات تصوير، وشهادات أصالة، وطلبات تخصيص، وعمليات إعادة بيع. وكلما زادت واقعية الدمية، زادت حاجتها إلى عالم كامل يؤكد هذه الواقعية. وهنا يتحول الشراء من منتج واحد إلى نظام صغير من الإنفاق، يشبه في بعض جوانبه اقتصاد الهوايات الفاخرة: يبدأ بقطعة، ثم يمتد إلى أدوات العناية، والإكسسوارات، والمجتمع، والمعارض، والمحتوى.

سبب الانجذاب

قد يبدو السؤال الأهم: لماذا ينجذب الناس إلى دمية تبدو حقيقية إلى هذا الحد؟ والجواب ليس واحداً. هناك من يذهب إليها بدافع الجمال والحرفة، كما يقتني الناس لوحة أو منحوتة. وهناك من يحب فكرة الرعاية دون مسؤولية الأبوة الكاملة، حيث يمكن حمل الدمية ولبسها وتصويرها ثم إعادتها إلى مكانها بهدوء. وهناك من يجد فيها امتداداً لغريزة الحنان، أو وسيلة لتسكين فراغ، أو طريقة للتعامل مع حزن لا يجد لغة سهلة. وفي عالم سريع، قاسٍ أحياناً، وممتلئ بالضجيج، قد يصبح حمل شيء ساكن وهادئ وذي ملامح طفولية فعلاً نفسياً أكثر منه استهلاكياً.

جدل اجتماعي

ومع ذلك، لا تمر هذه الظاهرة بلا جدل. فشدة واقعية الدمى تثير لدى بعض الناس شعوراً بالغرابة أو عدم الارتياح، خصوصاً حين تُعامل في الأماكن العامة كأطفال حقيقيين. وفي البرازيل، تحولت الدمى شديدة الواقعية إلى موضوع نقاش واسع، حتى إن تقارير صحفية ذكرت تقديم أكثر من 30 مشروع قانون لمحاولة تقييد استخدامها في سياقات معينة، بعد انتشار مقاطع على وسائل التواصل أثارت ذعراً أخلاقياً ونقاشاً حول الحدود بين الهواية والتمثيل والواقع. وهذا الجدل يكشف أن المشكلة ليست في الدمية وحدها، بل في قدرتها على زعزعة الحدود التي اعتدناها بين الحقيقي والمصنوع.