شهدت الأسواق المالية العالمية في مستهل تعاملات الأسبوع موجة عارمة من التقلبات الحادة، التي أعادت خلط الأوراق بين قطاعي الطاقة والمعادن الثمينة. ففي الوقت الذي قفزت فيه أسعار النفط الخام إلى مستويات قياسية جديدة، نتيجة لمخاوف حقيقية، تتعلق بسلامة إمدادات الطاقة العالمية وسلاسل التوريد، واجه المعدن الأصفر (الذهب) ضغوط بيع طفيفة، ناتجة عن قوة الدولار وعوائد السندات الأمريكية، وسط حالة ترقب شديدة لتقرير الوظائف الفيدرالي. إلا أن المحرك الأساسي لهذه التحركات اللحظية، لم يكن مجرد بيانات اقتصادية، بل تصاعد وتيرة التوترات العسكرية والسياسية في واحد من أهم الشرايين المائية في العالم: مضيق هرمز.
يرتبط الارتفاع المفاجئ لأسعار الطاقة ارتباطاً وثيقاً بالتحركات الجيوسياسية الأخيرة المحيطة بمضيق هرمز، والذي يعبر من خلاله نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط السائل يومياً. إن أي تهديد لسلامة الملاحة أو تلميح بإغلاق هذا الممر الحيوي، يترجم فوراً إلى علاوة مخاطر باهظة، تضاف إلى أسعار البرميل.
خام برنت العالمي استجاب سريعاً لهذه التطورات، ليرتفع إلى 94.91 دولاراً للبرميل، مسجلاً نسبة صعود حادة بلغت +4.15 %. و النفط الخام الأمريكي (WTI): لم يكن بمعزل عن القفزة، حيث استقر عند 91.63 دولاراً للبرميل، بنسبة صعود بلغت +4.89 %.
تأتي هذه القفزة بعد تقارير استخباراتية وأمنية أشارت إلى زيادة وتيرة الاحتكاكات البحرية، وتحركات الأساطيل العسكرية في منطقة الخليج العربي، ما دفع شركات التأمين البحري إلى رفع رسوم تأمين الناقلات العملاقة إلى مستويات غير مسبوقة. هذا التقلص المحتمل في المعروض، بالتزامن مع مخاوف تعطل سلاسل التوريد، جعل الأسواق تتوقع عجزاً كبيراً في الإمدادات، إذا ما تطورت المناوشات السياسية إلى مواجهة مفتوحة.
على الجانب الآخر من صالة التداول، عكس سوق المعادن الثمينة حالة من التباين، حيث تعرض الذهب لضغوط بيع فنية، جراء تماسك مؤشر الدولار الأمريكي، وترقب المستثمرين لبيانات الاقتصاد الكلي الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
سعر أونصة الذهب عالمياً سجل تراجعاً طفيفاً بنسبة 1.34 %، ليستقر عند نطاق يتراوح بين 4,480.37 دولاراً و4,545.95 دولاراً للأونصة. ورغم هذا الهبوط قصير المدى، يؤكد خبراء أسواق المال أن الذهب لا يزال يتحصن بمستويات تاريخية مرتفعة للغاية، مقارنة بالأعوام الماضية، مدفوعاً برغبة البنوك المركزية والمستثمرين في التحوط ضد اشتعال الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
فيما تراجعت الفضة بشكل طفيف، لتستقر عند 75.03 دولاراً للأونصة، في حين سجل البلاتين استقراراً نسبياً عند 1,940.10 دولاراً للأونصة.
إن العلاقة التاريخية بين أزمات مضيق هرمز والذهب، تظل علاقة طردية على المدى المتوسط، فكلما زادت احتمالات تعطل التجارة الدولية، زاد تدفق السيولة نحو الذهب، كأداة تحوط نهائية ضد انهيار العملات الورقية والتضخم الناجم عن قفزات أسعار الطاقة.
يتفق المحللون الاستراتيجيون في وول ستريت، على أن الأسواق الحالية تسعر فقط «مخاطر الاضطراب»، وليس «الإغلاق الفعلي». وإذا ما تحولت التحركات الجيوسياسية الحالية في مضيق هرمز إلى إغلاق جزئي أو كلي، فإن المشهد المالي العالمي، سينتقل إلى مرحلة الصدمة غير المحسوبة، لأنه في حال تعطل الملاحة بالكامل في المضيق، تتوقع بيوت الخبرة أن تتجاوز أسعار خام برنت حاجز الـ 120 دولاراً للبرميل بشكل فوري، ما سينعكس سلباً على معدلات التضخم العالمي، ويدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسات النقدية مجدداً.