كشفت «مجلة فورشين الاقتصادية» في تقرير تحليلي بارز عن حقيقة قاسية تضع إدارة واشنطن أمام جدار المساءلة، مؤكدة أن القفزة الأخيرة في عوائد سندات الخزانة الطويلة الأجل أثبتت أنه لم يعد لدى الولايات المتحدة أي هامش للخطأ في إدارة ديونها السيادية الضخمة التي بلغت 39 تريليون دولار. ووفقاً للمجلة، فإن هذا المأزق المالي الخطير يتزامن مباشرة مع اختيار «كيفن وارش» لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي)، مما يضعه أمام اختبار تاريخي بين مطرقة كبح التضخم وسعر الفائدة المرتفع، وسندان الإنفاق الحكومي الجامح الذي بات يهدد بالتهام الإيرادات الفيدرالية ومزاحمة الميزانيات المخصصة للخدمات الأساسية كالدفاع والصحة والضمان الاجتماعي.

في الأيام التي سبقت عطلة يوم الذكرى، سجلت أسواق السندات الأمريكية قفزات تاريخية؛ إذ بلغت أسعار الفائدة على سندات الخزانة لأجل 30 عاماً أعلى مستوى لها في 19 عاماً عند 5.2%، في حين وصل سعر الفائدة القياسي لأجل 10 سنوات إلى 4.7%، وهو المستوى الأعلى له منذ منتصف عام 2007.

هذه الأرقام تعني عملياً أن التوقعات التي وضعها مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO) في تقريره الصادر في فبراير تحت عنوان «التوقعات الاقتصادية والميزانية: 2026 إلى 2036» قد تحولت رسمياً من سيناريو «كارثي» إلى «شبه كارثي». إن استمرار هذه العوائد المرتفعة يتجاوز الخطوط الآمنة، وسيوجه ضربة إضافية قوية للمالية العامة من خلال مزاحمة أجزاء هائلة من الإيرادات الفيدرالية التي كان من المفترض توجيهها لتمويل الأساسيات الحيوية مثل الدفاع الوطني، والضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، وتحويلها بدلاً من ذلك لسداد فوائد الدين المتراكم.

يأتي تعيين كيفن وارش رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في هذا التوقيت الحرج ليضعه في مواجهة مباشرة مع أزمة الديون. يمتلك وارش كمصرفي وخبير اقتصادي مخضرم بعض الأدوات النقدية التقليدية التي يمكنه استخدامها مناوراً بها في الأسواق، مثل إعادة صياغة السياسة النقدية، وضبط أسعار الفائدة الأساسية، أو التحكم في وتيرة برنامج التشديد الكمي (تخفيض ميزانية الفيدرالي من السندات).

ومع ذلك، يصطدم رئيس الفيدرالي الجديد بحقيقة هيكلية صارمة: لا يوجد الكثير مما يمكن للبنك المركزي فعله حيال «الإنفاق الحكومي الجامح»؛ فالسياسة المالية (الإنفاق والضرائب) تقع بالكامل تحت سلطة الكونغرس والبيت الأبيض، وليست من صلاحيات الاحتياطي الفيدرالي. وبالتالي، فإن أي محاولة من وارش لخفض الفائدة سريعاً لتخفيف عبء خدمة الدين الحكومي قد تؤدي إلى اشتعال التضخم مجدداً، بينما الاستمرار في مستويات الفائدة المرتفعة سيزيد من سرعة وتيرة تفاقم أزمة الـ 39 تريليون دولار.

تقتصر الحلول الحقيقية التي يمكن أن يقدمها كيفن وارش على محاولة إيجاد «هبوط آمن» للاقتصاد يضمن استقرار التوقعات التضخمية، ما قد يساهم على المدى المتوسط في خفض عوائد السندات طويلة الأجل مدفوعة بثقة المستثمرين لا بقرارات خفض الفائدة القسرية. قد يلجأ وارش أيضاً إلى التنسيق غير المباشر عبر إرسال إشارات تحذيرية صارمة ومستمرة للمشرعين في واشنطن حول خطورة السياسات المالية الحالية.

لكن في نهاية المطاف، يجمع المحللون على أن الحل لا يكمن في أدوات الفيدرالي وحدها؛ فبدون جراحة مالية حكومية عاجلة تشمل كبح جماح الإنفاق الفيدرالي وإعادة هيكلة الميزانية العامة، فإن أدوات وارش ستظل بمثابة مسكنات مؤقتة أمام كرة ثلج الديون التي فقدت معها أمريكا أي مجال للمناورة أو الاستقرار المالي المستقبلي.