شهدت الأسواق المالية العالمية والسلع الأساسية حالة من الاستقرار الحذر، مدفوعة ببارقة أمل جيوسياسية غير متوقعة. وجاء ذلك في أعقاب ورود تقارير دبلوماسية تشير إلى احتمالية تمديد الهدنة المبدئية، ووقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مع فتح ملف المفاوضات المعقدة، للسماح بعبور آمن وغير مشروط للناقلات البحرية عبر مضيق هرمز، والذي يعبر منه نحو خمس إمدادات النفط والغاز في العالم. هذا المناخ السياسي الإيجابي، فرض إيقاعاً جديداً على حركة الذهب والنفط، ممتصاً جزءاً من صدمات الأسابيع الماضية، وإن ظل رهن التطورات الميدانية، ومخاوف التضخم في الاقتصادات الكبرى.
تفاعلت أسعار الذهب إيجاباً مع أنباء التهدئة الجيوسياسية، حيث استقر المعدن الأصفر بالقرب من مستويات 4,580 دولاراً للأوقية. وجاء هذا التعافي ليعوض جانباً من الخسائر الحادة التي لحقت بالملاذ الآمن، والتي بلغت نحو 16 % منذ اندلاع النزاع، متأثرةً بمخاوف لجوء البنوك المركزية لتشديد السياسات النقدية. ورغم هذه القفزة الارتدادية الأخيرة القوية، يسجل الذهب انخفاضاً شهرياً طفيفاً، نتيجة تمسك المستثمرين بحذرهم، جراء التضخم الأمريكي العنيد، وبيانات الأجور المرتقبة، والتي تعزز من احتمالية إبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، كأداة لكبح جماح الأسعار الحالية.
في أسواق الطاقة، سجلت عقود النفط تراجعاً ملحوظاً، حيث أنهت المؤشرات العالمية أبرز خسائرها الأسبوعية منذ مطلع أبريل الماضي، إذ انخفضت العقود الآجلة لخام برنت لتستقر عند مستويات 92.05 دولاراً للبرميل، بينما أنهى خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي تداولاته عند 87.36 دولاراً للبرميل. ويعود هذا الهبوط المباشر إلى تسعير المتداولين لفرص نجاح اتفاقية وقف إطلاق النار، وإعادة فتح شريان الملاحة في مضيق هرمز. ومع ذلك، تؤكد التقارير الفنية أن الأسواق لا تزال حساسة للغاية، فأي تعثر في صياغة الترتيبات الأمنية للممر المائي، أو ظهور أضرار هيكلية جديدة في البنية التحتية للطاقة جراء النزاع، كفيل بإعادة إشعال الأسعار، وتوسيع الفارق بين خامات القياس العالمية.
وضعت حرب الأشهر الثلاثة الماضية والاضطرابات الملاحية في الشرق الأوسط، البنوك المركزية، وعلى رأسها «الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي»، في حالة تأهب قصوى، نظراً لتبعاتها المباشرة على سلاسل الإمداد والتصنيع، وحركة الشحن الدولية، التي ارتفعت تكاليفها بنحو 30 %. وتخشى الدوائر المالية من أن تؤدي قفزات أسعار الطاقة السابقة إلى تغذية التضخم الهيكلي، ما يجهض خطط خفض الفائدة. ويرى محللون اقتصاديون أن الوصول إلى اتفاقية نهائية ومستدامة لفتح الممرات المائية، لا يمثل مجرد انفراجة سياسية، بل هو طوق النجاة الأساسي لمنع دخول الاقتصاد العالمي في دوامة جديدة من الركود التضخمي الناجم عن صدمات العرض الحادة.