لم يكن انتقال المصرفية الهندية المخضرمة "أروندهاتي بهاتاتشاريا" إلى قطاع التكنولوجيا خطوة عادية، بل كان الشرارة التي فجرت بها شركة "سيلز فورس" (Salesforce) الأمريكية لبرمجيات الحسابات والعملاء طفرة استثنائية في قارة آسيا، ليتوج هذا الرهان بأرقام مليارية قياسية غيرت خارطة الأعمال العالمية.

عندما ترجلت "بهاتاتشاريا" عن عرش رئاسة بنك الدولة الهندي (SBI) عام 2017 بعد مسيرة حافلة امتدت لأربعة عقود، لم تكن تتخيل أن محطتها القادمة ستكون في قلب التكنولوجيا. وتعترف"بهاتاتشاريا" بأن الحيرة تملكتها لستة أشهر؛ فكيف تبدأ في مجال جديد تماماً بعد التقاعد؟

لكن رحلة استكشافية إلى سان فرانسيسكو ولقاءً شخصياً مع "مارك بينيوف"، الرئيس التنفيذي لـ "سيلز فورس"، غيرا كل شيء. وتعتبر هذه الشركة، التي انطلقت عام 1999 من شقة صغيرة في سان فرانسيسكو، العملاق العالمي الأبرز في مجال برمجيات الحوسبة السحابية وإدارة علاقات العملاء (CRM)، وحاملة لواء فكرة ثورية قضت بتقديم البرمجيات كخدمة عبر الإنترنت.

قيم هذه المؤسسة الصارمة في المسؤولية المجتمعية والمساواة الجندرية في الأجور هي المبادئ التي دفعت المصرفية الهندية لخوض التجربة، رغم اعترافها الضاحك بأنها كانت بحاجة أحياناً إلى "مترجم" لفهم مصطلحات جيل المهندسين الحالي.

قفزة مليارية

تولت القائدة المخضرمة منصب الرئيس التنفيذي لـ "سيلز فورس" في جنوب آسيا عام 2020، في موقع استحدث خصيصاً لها. وتحت قيادتها، انفجر حجم أعمال العملاق الأمريكي في المنطقة؛ حيث قفز عدد الموظفين من 2500 إلى أكثر من 18,000 موظف اليوم.

ورغم أن الشركة لا تفصح عن إيراداتها التفصيلية لكل دولة في تقاريرها الدورية، إلا أن السجلات الرسمية للشركات في الهند كشفت مؤخراً عن قفزة هائلة في المبيعات بلغت 133.8 مليار روبية (ما يعادل 1.8 مليار دولار) خلال العام المالي المنتهي في مارس 2025، لتصبح الهند السوق الأسرع نمواً وإسهاماً في تشييد هذه الإمبراطورية المليارية.

غزو إقليمي

هذا النجاح الباهر دفع "سيلز فورس" في عام 2024 لتوسيع نفوذ "بهاتاتشاريا" ليشمل جنوب شرق آسيا، وهو توسع تراه منطقياً نظراً للتشابه الديموغرافي والاقتصادي بين تلك الدول والهند من حيث فئة الشباب والحاجة المشتركة لـ "تعريب" المنتجات تكنولوجياً لتناسب الثقافات المحلية.

وتراهن الشركة اليوم على أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة نمو استثنائية في المنطقة تقدر قيمتها بـ تريليون دولار. وفي إطار هذا التوسع، افتتحت مكتباً جديداً في العاصمة الفلبينية مانيلا، لينضم إلى مراكزها الإقليمية في تايلاند، وإندونيسيا، وسنغافورة.

كما أطلقت منصتها المتطورة للذكاء الاصطناعي "أيجنت فورس" (Agentforce) بخمس لغات محلية تشمل التاغالوغية، التايلاندية، الفيتنامية، الملايوية، والإندونيسية.

تتحول القائدة المؤسسية اليوم إلى واحدة من أكبر المشجعين لمنتجات الذكاء الاصطناعي، مستعينة بـ "تدريب عكسي" من المهندسين الشباب لمواكبة الطفرة التكنولوجية.

وتستخدم أداة "Slackbot" المدعومة بنموذج الذكاء الاصطناعي "كلود"  لإدارة جدولها اليومي المزدحم، واختصار الرسائل الواردة ليلاً من المقر الرئيسي للشركة في سان فرانسيسكو الذي يبعد عن توقيت الهند بنحو 12 ساعة كاملة.

وتقلل من المخاوف المثارة حول ما يُعرف بـ "نهاية عصر البرمجيات أو الخوف من أن تطغى نماذج الذكاء الاصطناعي على شركات البرمجة التقليدية، مؤكدة أن "سيلز فورس" تمثل نظام التشغيل الأساسي للمؤسسات الذكية وتتطور باستمرار على مستوى المنتجات والتسعير، مرددة كلمات رئيسها "بينيوف" بأن المشككين في قدرة الشركة على الصمود "مخطئون تماماً"." 

تفكيك التحيز

 تؤكد بهاتاتشاريا أن بناء المؤسسات الناجحة والمستدامة يتطلب بيئة عمل عادلة وخالية من الأحكام المسبقة. واسترجعت تجريتها السابقة في إدارة الموارد البشرية ببنك الدولة الهندي، حيث استحدثت سياسة إجازة ممتدة لعامين للنساء لرعاية الأطفال وكبار السن، مؤكدة على أهمية وجود "حلفاء من الرجال" لتغيير العقلية المؤسسية.

كما اعترفت بأن التدريبات الحالية في "سيلز فورس" كشفت لها أن التحيز اللاواعي يمثل فخاً يقع فيه الجميع بلا استثناء، وأن الوعي به هو الخطوة الأولى لتشييد صروح اقتصادية عالمية وتنافسية.