بينما تشيد واشنطن "أسواراً رقمية" لعزل خصومها تكنولوجياً، كشفت بيانات التجارة والملاحقات الفيدرالية عن نزيف سيادي لا يمكن إيقافه؛ حيث يتدفق عصب القوة الأمريكية عبر ثغرات السوق السوداء في تجارة عالمية تتجاوز قيمتها 349 مليار دولار.

من رسائل سرية على تطبيق "وي شات" إلى رقائق معقدة وُجدت في قلب الصواريخ الروسية، لم تعد أشباه الموصلات مجرد سلعة، بل أصبحت السلاح الذي يخترق حصون الأمن القومي الأمريكي بصفقات عابرة للحدود تضع هيبة القوة العظمى على المحك.

في مارس 2024، يُزعم أن ماثيو كيلي، وهو مسؤول تنفيذي في مجال التسويق يبلغ من العمر 49 عاماً من نيويورك، أرسل رسالة نصية إلى شريكه التجاري ستانلي يي تشنغ، بدت وكأنها مسودة عرض لجذب عملاء جدد.

شركة واجهة"

في الرسالة، التي أُرسلت عبر تطبيق المراسلة الصيني "وي شات"، كتب كيلي أنه يبحث عن شركاء مستعدين للمساعدة في نقل وحدات معالجة الرسوميات من شركة "إنفيديا" إلى مشترين في الصين، الذين منعتهم الحكومة الأمريكية من استلام الرقائق المتطورة.

وكتب كيلي أن العمل "مربح للغاية" في الوقت الحالي، مع وجود ملايين الأرباح التي يمكن تحقيقها لكل طلبية.

وأوضح أنه يريد أشخاصاً يمكنهم إما العثور على مشترين يحتاجون لرقائق "إنفيديا" من أجل "الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وتعدين العملات الرقمية وغيرها"، أو العثور على عملاء في الصين ليعملوا كـ "شركة واجهة" وهمية، وفقاً لسجلات المحكمة.

وبعد مرور 28 دقيقة سريعة، رد تشنغ بـ: "لا تذكر أي شيء عن الصين".

وطلب تشنغ حذف تلك السطور، وفقاً لقطات شاشة لمراسلاتهم النصية في سجلات المحكمة. وأكد تشنغ ضرورة شطب جميع الإشارات إلى الصين لأنه كتب: "سوف نجذب انتباه الحكومة الأمريكية بسبب انتهاك الحظر".

ورد كيلي بأنهم قد شاركوا هذه التفاصيل بالفعل مع أشخاص آخرين، فأجاب تشنغ: "نحن نتحدث فقط، لا أحد يستطيع اعتبار ذلك دليلاً ضدنا".

هذا التبادل وأكثر من اثني عشر تبادلاً آخر انتهى بها المطاف في سجلات المحكمة التي تزعم أن تشنغ، وكيلي، وشريكاً ثالثاً يُدعى تومي شاد إنجلش (53 عاماً) من أتلانتا، تآمروا لارتكاب عمليات تهريب وانتهاكات لضوابط التصدير في مارس 2026. وأمام الحكومة الأمريكية مهلة حتى يونيو لاتخاذ قرار بشأن التهم الرسمية.

قضايا التهريب

إن ثلاثي (إنجلش-كيلي-تشنغ) هو مجرد واحد في قائمة متزايدة من قضايا التهريب التي تظهر تعقيدات تنظيم بيع أشباه الموصلات الحساسة المصنوعة في أمريكا في ظل مخاوف الأمن القومي. فرضت الحكومة الأمريكية سلسلة من ضوابط التصدير شديدة العدوانية التي تهدف إلى إبقاء التكنولوجيا المتطورة المصنوعة في أمريكا بعيداً عن أيدي الخصوم في الصين وإيران وروسيا - بدءاً من مسرعات الذكاء الاصطناعي الرائدة التي يمكنها تشغيل الأسلحة المستقلة، وصولاً إلى الرقائق التقليدية التي تظهر في صواريخ كروز الروسية التي تضرب أوكرانيا.

ورغم الإجراءات الروتينية، فإن تدفق وحدات معالجة الرسوميات المتقدمة المهربة عبر شركات واجهة وهمية والمتحكمات الدقيقة التقليدية لم يتوقف.

420 مليون دولار

في الأشهر الـ 12 الماضية، أعلن مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة عن ما يقرب من 420 مليون دولار في شكل غرامات ومصادرات مجمعة تتعلق بالتهريب غير القانوني لتكنولوجيا أشباه الموصلات إلى الصين. وفي فبراير 2026، أعلن المكتب عن عقوبة مدنية قدرها 252 مليون دولار ضد شركة "أبلايد ماتيريالز" لشحنها بشكل غير قانوني معدات تصنيع أشباه الموصلات إلى الصين من خلال شركة تابعة في كوريا.

وفي واحدة من أعلى القضايا شهرة حتى الآن، أعلن المدعون الفيدراليون في مارس 2026 عن اعتقال المؤسس المشارك لشركة "سوبر ميكرو"، ييه-شيان "والي" لياو، بتهمة تدبير مخطط بقيمة 2.5 مليار دولار لتوجيه خوادم الشركة إلى الصين من خلال شركة وهمية في جنوب شرق آسيا.

وجد تقرير تاريخي صدر في سبتمبر 2024 عن اللجنة الفرعية بمجلس الشيوخ الأمريكي أن التكنولوجيا المصنوعة في الولايات المتحدة وجدت طريقها إلى الأسلحة الروسية عبر شبكات تهريب صينية. ووجد تحليل أجرته الوكالة الوطنية الأوكرانية لمنع الفساد 2797 مكوناً أجنبياً في الأسلحة الروسية، وكان 72% منها مصدره الولايات المتحدة، بما في ذلك صواريخ "كي إتش-101".

قال جريج توماس، الرئيس التنفيذي لشركة "تشين سينتري": "الأمر يعود لشيء بسيط للغاية، المال مغرٍ جداً". وأضاف أن أشباه الموصلات هي "لبنات بناء القوة العالمية في القرن الحادي والعشرين". وفي المقابل، تطلب إدارة ترامب حالياً 450 مليون دولار و1077 وظيفة للسنة المالية 2027 لمضاعفة القوى العاملة المخصصة لضوابط التصدير، مما يشير إلى أن الحالات المكتشفة حتى الآن ليست سوى قمة جبل الجليد في صراع السيادة التكنولوجية.