بعد أن احتدم الصراع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس مجلس محافظي الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) جيروم باول، برزت العديد من الأسماء التي قيل إن ترامب يحاول تقديمها إلى واجهة المشهد الاقتصادي الأمريكي لتزيح باول من منصبه ليقود أقوى مصرف مركزي في العالم، وتكون سياساته متناغمة مع رغبات الرئيس الأمريكي.
وكان آخر هذه الأسماء هو كيفن وارش، الذي أقر مجلس الشيوخ الأمريكي أمس تعيينه عضواً في مجلس محافظي الاحتياطي الاتحادي لمدة 14 عاماً، في خطوة مهمة نحو توليه منصب الرئيس القادم للمجلس خلفاً لجيروم باول.
لكن اختيار هذا الاسم لم يمر مرور الكرام، حيث أثير الكثير من اللغط حول اسم الرجل وسيرته وخبراته، حتى قبل أن يبدأ فعلياً مهام عمله عضواً في «الفيدرالي»، لتبرز تساؤلات مشروعة هي: من هو كيفن وارش؟ ولماذا فكر ترامب فيه ليخلف باول؟ وهل يقدر على القيام بهذه المهمة في فترة تعد الأصعب في تاريخ الاقتصاد الأمريكي؟
ولد كيفن وارش في عام 1970 في ولاية نيويورك، ودرس الاقتصاد والسياسة العامة في البداية، قبل أن يحصل على شهادة القانون من جامعة «هارفارد» العريقة، وهي الخلفية الأكاديمية التي مهدت له طريقاً سريعاً نحو المؤسسات المالية الكبرى وصناعة القرار الاقتصادي.
وقد بدأ وارش مسيرته المهنية في بنك الاستثمار الشهير «مورجان ستانلي»، حيث عمل في مجالات الدمج والاستحواذ والخدمات المصرفية الاستثمارية، واكتسب خبرة مبكرة في فهم الأسواق المالية العالمية وآليات عمل النظام المصرفي الأمريكي.
ودخل كيفن وارش عالم السياسة والاقتصاد الحكومي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، حيث عمل مستشاراً اقتصادياً داخل البيت الأبيض، قبل أن يتم تعيينه في عام 2006 عضواً في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ليصبح آنذاك أحد أصغر الأعضاء سناً في تاريخ البنك المركزي الأمريكي، ونجح في الاستمرار بمنصبه حتى عام 2011، وهي الفترة التي شهدت الأزمة المالية العالمية الكبرى في 2008، والتي وضعت الاحتياطي الفيدرالي أمام تحديات تاريخية تتعلق بإنقاذ النظام المالي الأمريكي ومنع انهيار الاقتصاد العالمي.
الأزمة المالية العالمية كانت البداية الفعلية
يمكن القول إن الأزمة المالية كانت البداية الفعلية لسياسات وارش البارعة، حيث لعب دوراً بارزاً في التواصل مع الأسواق والبنوك الكبرى، وكان من الشخصيات المؤثرة داخل الفيدرالي في ملفات الاستقرار المالي والسيولة النقدية. كما اكتسب سمعة قوية باعتباره من الأصوات التي تدعو إلى الحذر من التوسع المفرط في السياسة النقدية، إذ كان يخشى أن تؤدي برامج التحفيز الضخمة وأسعار الفائدة المنخفضة لفترات طويلة إلى خلق فقاعات مالية جديدة وارتفاع مستويات التضخم مستقبلاً.
وبعد مغادرته «الفيدرالي»، انتقل كيفن وارش إلى المجال الأكاديمي والاستثماري، حيث انضم إلى معهد هوفر بجامعة ستانفورد، أحد أبرز مراكز الأبحاث المحافظة في الولايات المتحدة. كما عمل مستشاراً في عدد من المؤسسات الاستثمارية العالمية، وشارك في تقديم تحليلات اقتصادية تتعلق بالتضخم، وأسعار الفائدة، ومستقبل الاقتصاد الأمريكي. وخلال تلك الفترة، حافظ على حضوره القوي داخل الأوساط الجمهورية، ما جعله اسماً متكرراً في قوائم المرشحين لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي في أكثر من مناسبة.
بين المؤيدين والمعارضين
يرى مؤيدو كيفن وارش أنه يمتلك مزيجاً نادراً من الخبرة التقنية والقدرة السياسية، إذ يفهم الأسواق المالية من الداخل، وفي الوقت نفسه يدرك حساسية العلاقة بين البنك المركزي والبيت الأبيض. كما يعتبره المحافظون الاقتصاديون شخصية تميل إلى الانضباط النقدي، وتؤمن بضرورة الحفاظ على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي بعيداً عن الضغوط السياسية المباشرة. وقد أكد بنفسه خلال جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ التزامه الكامل باستقلالية السياسة النقدية الأمريكية.
في المقابل، يواجه كيفن وارش بعض الانتقادات من الديمقراطيين والتيارات الاقتصادية التقدمية، التي ترى أن قربه من «وول ستريت» ومن الإدارات الجمهورية قد يجعله أكثر ميلاً إلى سياسات تخدم الأسواق المالية على حساب العمالة والنمو الاقتصادي. كما يشير منتقدوه إلى أن مواقفه المتشددة تجاه التضخم قد تدفعه إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترات أطول، وهو ما قد يضغط على الاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية.
ورغم الجدل السياسي المحيط بترشيحه، فإنه تم النظر إلى كيفن وارش على أنه أحد أبرز العقول الاقتصادية المحافظة في الولايات المتحدة، وشخصية قادرة على التأثير في مستقبل السياسة النقدية العالمية إذا تولى رسمياً قيادة الاحتياطي الفيدرالي.