في تصريحات رسمية وثقها الاتحاد الدولي لكرة القدم العام الماضي، وصف رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو كأس العالم المقبلة بأنها تعادل "104 مباراة سوبر بول"، قياساً على حجم الرياضة عالمياً.
ومع تسجيل "السوبر بول" متوسط مشاهدات يصل إلى 125.6 مليون مشاهد، يتوقع إنفانتينو جذب مشاهدات تعادل ثلاثة مباريات "سوبر بول" يومياً طوال 39 يوماً.
وتتوقع تقديرات "فيفا" الرسمية أن تلامس المباريات 6 مليارات مشاهد عالمياً، مع مساهمة تدفق السياحة في تحقيق طفرة اقتصادية متوقعة بقيمة 30.5 مليار دولار للدول المضيفة (أمريكا، المكسيك، كندا).
إلا أن هذه الطموحات المليارية تصطدم اليوم بواقع جيوسياسي واقتصادي ملتهب؛ فبينما يواجه المشجعون "جداراً مالياً" بعد وصول أسعار التذاكر إلى مستويات جنونية دفعت الرئيس دونالد ترامب للتصريح علانية بأنه "لن يدفع 1000 دولار لحضور مباراة"، تبرز الحرب الإيرانية التي دخلت شهرها الثاني كأكبر تهديد لوجستي للبطولة.
ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار وقود الطائرات بنسب حادة، يجد المونديال نفسه محاصراً بين وعود إنفانتينو بالربحية التاريخية ومخاوف حقيقية من "عزوف دولي" قد يحول الحدث الأضخم إلى مجرد احتفالية محلية في القارة الأمريكية.
خط التوقعات
على الرغم من بيانات "فيفا" التي تشير إلى حجز 5 ملايين تذكرة بالفعل، إلا أن قطاع الضيافة الأمريكي يبدي تشككاً عميقاً؛ حيث كشف تقرير صادر عن الجمعية الأمريكية للفنادق وأماكن الإقامة (AHLA)، شمل 200 فندق في 11 مدينة مستضيفة، أن 80% من الفنادق تسجل معدلات حجز أدنى من التوقعات الأولية.
وأرجع المستجيبون هذا التباطؤ إلى تعقيدات الحصول على تأشيرات الدخول للزوار الأجانب، بالإضافة إلى ما وصفوه بـ "إشارة الطلب الاصطناعية" التي خلقها "فيفا" عبر حجز كتل غرف ضخمة ثم إلغائها فجأة في مارس الماضي للتكيف مع تحولات السوق، مما أربك حسابات الفنادق في مدن مثل فيلادلفيا ودالاس.
أزمة الطيران
قبل أسابيع من انطلاق المباراة الأولى في 11 يونيو، يواجه المشجعون تكاليف سفر باهظة؛ حيث أظهر تحليل "دويتشه بنك" قفزة في أسعار الرحلات العابرة للقارات من 167 دولاراً إلى 414 دولاراً. ولا تتوقف الأعباء عند الطيران، بل تمتد لتذاكر المباريات التي تجاوزت 1000 دولار للفئات الدنيا، بينما وصلت تذكرة النهائي في ملعب "ميت لايف" إلى 33,000 دولار.
وحتى وسائل النقل المحلية لم تسلم من الجدل؛ إذ خفضت هيئة نقل نيوجيرسي (NJ Transit) سعر تذكرة القطار للملعب من 150 إلى 105 دولارات بعد احتجاجات شعبية، علماً أن السعر المعتاد هو 13 دولاراً فقط.
ألغام جيوسياسية
إلى جانب التهديدات الأمنية في مضيق هرمز، تبرز تحديات سياسية أخرى؛ حيث وقع 170,000 شخص في هولندا عريضة تدعو منتخبهم الوطني لمقاطعة البطولة رداً على تهديدات إدارة ترامب السابقة بالاستحواذ على "غرينلاند".
ورغم رفض الحكومة الهولندية للمقاطعة، إلا أن الأجواء المشحونة بالتعريفات الجمركية التي فرضتها واشنطن على شركائها في الاستضافة تزيد من تعقيد المشهد المونديالي.
تستحضر "ليزا ديلبي نيروتي"، من جامعة جورج واشنطن، دروس التاريخ الاقتصادي للأحداث الرياضية؛ مشيرة إلى دراسة لجامعة أوكسفورد (2024) وجدت أن الدورات الأولمبية السابقة تجاوزت ميزانياتها بنسبة 185%. فبينما نجح مونديال قطر 2022 في المساهمة بنسبة 1% من الناتج المحلي، كلفت أولمبياد مونتريال 1976 دافعي الضرائب ديوناً استغرق سدادها 30 عاماً.
ومع توقعات بإنفاق الولايات المتحدة وحدها 11 مليار دولار على الاستضافة، يحذر المحللون في "أوكسفورد إيكونوميست" من أن المكاسب الوظيفية والاقتصادية قد تكون مؤقتة وعابرة، مما يضع وعود "فيفا" المليارية تحت مجهر الاختبار الحقيقي.