خلال العام الماضي، جاء تقريباً كل صافي نمو الوظائف من قطاع الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية في الولايات المتحدة، وهو قطاع يشهد نقصاً في الرجال. أما القطاعات التي تضم قوى عاملة يغلب عليها الرجال، فقد كانت تخسر وظائف. وشهدت مرحلة ما بعد الجائحة تدفقاً للنساء في سنوات العمل الأساسية إلى سوق العمل، بينما ظلت نسبة الرجال العاملين تراوح مكانها، وفق تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.
وقد يتسع هذا المسار المتباين في السنوات المقبلة. فمع تراكم احتياجات السكان المتقدمين في العمر، من المرجح أن تلعب المهن التي أحجم الرجال تاريخياً عن دخولها، مثل وظائف مساعدي الرعاية الصحية المنزلية والمساعدين الطبيين، دوراً أكبر في سوق العمل. كما أن اتساع الفجوة التعليمية جزء من المعادلة أيضاً: فالنساء يحصلن الآن على شهادات البكالوريوس بمعدل أعلى بكثير من الرجال، كما أن معدلات التوظيف بين الحاصلين على تعليم جامعي أعلى بكثير من معدلاتها بين غير الجامعيين.
وأعلنت وزارة العمل الأمريكية يوم الجمعة أن معدل البطالة العام بقي مستقراً عند 4.3%. ولم تكن معدلات البطالة بين الرجال والنساء مختلفة كثيراً، إذ بلغت 4.4% للرجال مقابل 4.2% للنساء، تماماً كما كانت الحال قبل الجائحة. لكن معدل البطالة لا يشمل إلا الأشخاص الذين يبحثون بنشاط عن عمل. وتأتي الصورة الأوسع لاتجاهات التوظيف من النظر إلى نسبة السكان العاملين.
بين الرجال في سن 16 عاماً فما فوق، بلغت نسبة التوظيف إلى عدد السكان 64.1% في أبريل. ويقارن ذلك بمتوسط بلغ 66.6% في عام 2019، و70.9% في تسعينيات القرن الماضي. ويمكن تفسير جزء كبير من هذا التراجع بشيخوخة السكان: فهناك عدد أكبر بكثير من المتقاعدين الرجال مقارنة بما كان عليه الوضع سابقاً.
كانت نسبة النساء العاملات دائماً أدنى من نسبة الرجال، لكنها صمدت بشكل أفضل بكثير رغم شيخوخة السكان. وبلغت نسبة التوظيف إلى عدد السكان بين النساء 54.5% في أبريل، أي أقل قليلاً من متوسطها في عام 2019 ومتوسطها في تسعينيات القرن الماضي.
وقال لورانس كاتز، الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد، إن تضييق فجوة التوظيف بين الرجال والنساء كان عملية امتدت لعقود، وجاء نتيجة تدهور طويل في مشاركة الرجال في سوق العمل. وكانت مكاسب النساء في المشاركة قد توقفت منذ نحو عام 2000، لكنها انتعشت مجدداً بعد الجائحة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن ترتيبات العمل الهجين وفرت فرصاً أكبر للنساء اللواتي لديهن أطفال.
وفي الفترة الأحدث، كان قطاع الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية، حيث يفوق عدد النساء عدد الرجال بنسبة 3 إلى 1، نقطة الضوء الرئيسية في سوق عمل بدأ يخفت. وأضاف هذا القطاع 656,500 وظيفة خلال العام المنتهي في أبريل، وفق ما أعلنته وزارة العمل يوم الجمعة. ومن دون هذا المكسب، كان القطاع الخاص سيخسر 145,500 وظيفة.
ومن بين القطاعات التي انخفض فيها التوظيف خلال العام الماضي قطاع التصنيع، الذي استأنف تراجعه الطويل بعد انتعاشة قصيرة في مرحلة ما بعد الجائحة، وهو قطاع يوظف أكثر من رجلين مقابل كل امرأة. وكذلك قطاع النقل والتخزين، الذي كان من بين أكثر القطاعات تأثراً بالرسوم الجمركية، ويفوق فيه عدد الرجال عدد النساء بنسبة 3 إلى 1.
وقال كاتز: «يتأثر الرجال بوضوح بالرسوم الجمركية وضعف أداء قطاع التصنيع».
وبحسب إحصاء وزارة العمل للوظائف في قوائم الأجور الأمريكية، زاد عدد الوظائف التي تشغلها النساء بمقدار 421,000 منذ نهاية عام 2024. أما عدد الوظائف التي يشغلها الرجال فتراجع بمقدار 1,000 وظيفة. غير أن هذا الرقم يأتي مع بعض التحفظات: فعدّة نساء يشغلن أكثر من وظيفة، على سبيل المثال، بينما يعمل عدد أكبر من الرجال لحسابهم الخاص، أي إن لديهم عملاً لكنهم لا يُدرجون في إحصاء وظائف قوائم الأجور.
وتصف لورين باور، الزميلة في مؤسسة بروكينغز، سوق العمل ليس باعتباره أضعف كثيراً للرجال، بل باعتباره أفضل بكثير للنساء.
وعند التركيز على النساء في سن 25 إلى 54 عاماً، وهن في سنوات العمل الأساسية، بلغت نسبة التوظيف إلى عدد السكان 75% في أبريل، مقارنة بمتوسط بلغ 73.7% في عام 2019.
أما بالنسبة إلى الرجال، فقد بلغت النسبة 86.5%، أي حول المستوى الذي كانت عليه في عام 2019، وهي فترة كان فيها توظيف هؤلاء الرجال يرتفع باتجاه مستويات لم تُسجَّل منذ ما قبل الأزمة المالية في 2008-2009. وقالت باور: «بقدر ما توجد مؤشرات على التراجع، فإنها تتراجع من موقع قوي جداً».
أما السؤال الأكبر بالنسبة إلى الرجال في سوق العمل فهو ما الذي سيحدث لاحقاً، وما إذا كان الضعف الأخير يمثل انتكاسة مؤقتة أم شيئاً قد يستمر لفترة أطول.
ومن دواعي القلق درجة اتساع الفجوة التعليمية بين الرجال والنساء. فابتداء من ثمانينيات القرن الماضي، بدأت النساء يحصلن على شهادات البكالوريوس بأعداد أكبر من الرجال. واتسعت الفجوة منذ ذلك الحين: فبحلول عام 2024، كانت 46% من النساء في سن 25 إلى 54 عاماً يحملن شهادة بكالوريوس، مقابل 38% من الرجال. ويبدو أن هذه الفجوة مرشحة للاتساع أكثر، إذ تتوقع وزارة التعليم أن يفوق عدد النساء الحاصلات على شهادات بكالوريوس في العام الأكاديمي الحالي عدد الرجال بنحو 40%.
ولا يهم ذلك فقط لأن خريجي الجامعات حصلوا تاريخياً على أجور أعلى بكثير من الأشخاص ذوي التعليم الأقل، بل لأن لديهم أيضاً مستويات توظيف أعلى بكثير. كما يمكن أن تكون الانتقالات المهنية أصعب بالنسبة إلى الأقل تعليماً. فعامل منجم الفحم، مثلاً، قد يكون ماهراً جداً في استخدام آلات متخصصة لقطع الفحم وتحميله، لكن هذه المهارة لا يمكن تطبيقها بسهولة في عمل خارج المنجم.
وقد تكون الانتقالات المهنية صعبة أيضاً لأن بعض أنواع العمل «لا تنسجم مع هوية كثير من الرجال»، وفق كاتز.
لنأخذ مهنة اختصاصيي صحة الأسنان مثالاً. فمن المتوقع أن يظل نمو التوظيف فيها قوياً، كما أن أجرها جيد: فقد بلغ متوسط الأجر السنوي 94,260 دولاراً في عام 2024، مقارنة بـ49,500 دولار لجميع الوظائف. لكن 5% فقط من اختصاصيي صحة الأسنان هم من الرجال.
ومع ذلك، يمكن أن يحدث التغيير، ولو تدريجياً. فقد ارتفعت نسبة الممرضين الرجال من نحو 2% في عام 1960 إلى نحو 14% اليوم، وفق إليزابيث مونيش، خبيرة اقتصاد الصحة في جامعة لويفيل. وفي بحث أجرته مع أبيغيل وزنياك، الخبيرة الاقتصادية في بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، وجدت أن الرجال يميلون إلى التوجه نحو وظائف تمريض ذات رهانات أعلى، مثل العمل في وحدات العناية المركزة. كما وجدت أنهم يميلون إلى دخول هذا المجال بعد العمل في وظائف أخرى.
وقالت مونيش: «لم يبدُ أن الأجور المرتفعة وحدها هي ما شجعهم على دخول التمريض، بل الاستقرار العام في قطاع الرعاية الصحية، وهذا فاجأني إلى حد ما».