بمجرد أن تنطق اسم «مانشستر» يتبادر إلى ذهن المستمع فوراً اسم أحد أشهر أندية كرة القدم في إنجلترا والعالم، وموطن أول دوري منظم في اللعبة عرفه العالم، غير أن هذه المدينة، حسبما يعلم غير المهتمين بالكرة، هي أول مدينة صناعية في العالم خلال العصر الحديث، وهي «أم الثورة الصناعية»، التي شهدتها أوروبا كلها، وانتقلت منها إلى معظم أرجاء الكرة الأرضية، تلك المدينة التي شهدت إنشاء أول قنوات مائية في بريطانيا، وأول سكة حديد للركاب، ولاحقاً شهدت إنتاج أول غواصة في البلاد.

مصانع شاهقة

تتميز مانشستر الإنجليزية بالمصانع الشاهقة والمستودعات والشوارع المزدحمة، والتي ساعدت أرضها المستوية على إنشاء المصانع والطرق، وتدفق رؤوس الأموال إليها في مطلع القرن التاسع عشر، حين صارت مركزاً لصناعة القطن، وتوسعت المدينة في القطاع الصناعي؛ ما وضعها في قلب شبكات التصنيع والتجارة العالمية الجديدة، فشهدت تطوير آلات تعمل بالطاقة، وأنشئت مطاحن متعددة الطوابق، ومصانع لإنتاج أقمشة قطنية عصرية، تم بيعها في أسواق العالم، حتى ارتبط ذكرها باسم المدينة بوصفها «علامة مسجلة مضمونة الجودة»، ولتشتهر بأنها أول مدينة صناعية في العالم.

في عام 1769 افتتح المخترع الإنجليزي ريتشارد أركرايت، والملقب بـ«مؤسس أول نظام مصانع في العالم» مصنعاً للقطن كان الأول من نوعه في مانشستر، وكان يعمل فيه نحو 600 شخص، وشهد اختراع مجموعة متنوعة من الأنوال الميكانيكية وأدوات النسيج والغزل على يد أركرايت، لتحل محل عمل الأيدي البشرية، ووفرت غزل خيوط القطن بسرعة أكبر، وبكميات أكبر، والطريف أنه استلهم اختراع آلته من لقائه بصانع ساعات ماهر يدعى «جون كاي»، ولكنه كانت لديه قدرة وخبرة تقنية في بناء الآلات، وتمكنا معاً من تطوير أول نموذج لآلة الغزل، وتم تصميم الماكينة في البداية، بحيث يمكن تشغيلها بقوة حصانية، عن طريق كرات متحركة، تقوم بسحب ألياف القطن، لتقليد حركة أصابع الغزال اليدوي، لتقوم مغازلها الدوارة بعد ذلك بلف القطن، وتحويله إلى خيوط، ولفه على بكرة. افتتحت قناة مانشستر للسفن في عام 1894، وأنشئ ميناء مانشستر الذي ربط المدينة مباشرة بالبحر الأيرلندي، على بعد 36 ميلاً (58 كم) إلى الغرب، كما أنشئت محطة سكة الحديد الواصلة بين مدينتي مانشستر وليفربول، فكانت أول محطة قطار ركاب بين المدن في العالم، كما عُرفت مانشستر بأنها أكبر سوق في العالم للسلع القطنية، حتى أطلق عليها اسم «كوتونوبوليس» و«مدينة المستودعات» خلال العصر الفيكتوري، وفي أستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا لا يزال مصطلح «مانشستر» يستخدم للإشارة إلى بياضات الأسرّة، من الملاءات وأكياس الوسائد والمناشف وغيرها، وتوافد الناس على المدينة للعمل بها من أسكتلندا وويلز وأيرلندا، ومناطق أخرى في إنجلترا، لا سيما مع بداية الصناعة الكيميائية بإنتاج مواد التبييض والأصباغ، حيث بلغ عدد مصانع القطن في المدينة 108 مصانع في عام 1853، وأُنشئت أول منطقة صناعية بالعالم في ترافورد بارك، صُدِّرت منها كميات كبيرة من الآلات إلى دول العالم، بما في ذلك مصنع معالجة القطن، ومع زيادة السكان والرواج الاقتصادي ظهرت الخدمات المالية مثل البنوك وشركات التأمين.

الوجه القبيح للحضارة

لكن الوجه القبيح الملازم لرأس المال باستغلال الفقراء والشهوة المفرطة في تحقيق الأرباح ظهر مع هذه الثورة؛ ففي حين كانت الآلات بمصانع مانشستر تدور والخزائن تتكدس بالأموال كان آلاف العمال يكدحون طوال الوقت في مزارع منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية والولايات المتحدة، وتم إجبار الملايين من العبيد على زراعة القطن من أجل تزويد مصانع مانشستر به، أما في مانشستر نفسها فقد اضطرت أعداد كبيرة من النساء والأطفال إلى العمل في المصانع ساعات كثيرة في اليوم مقابل أجور زهيدة؛ ما أسهم في ظهور حركات سياسية واجتماعية مناهضة لهذا الاستغلال، وتأسيس جمعيات تنادي بحقوق المرأة وحقوق العمال، وهذا خلق حراكاً اجتماعياً امتد حتى إلى خارج أوروبا فيما بعد، ووُصفت مانشستر بأنها كانت في تلك الحقبة «مسرحاً لأعمال شغب الخبز والعمال، فضلاً عن الدعوات لمزيد من الاعتراف السياسي من قبل الطبقات العاملة، وغير المسماة في المدينة»، وقد انتهى أحد هذه التجمعات بمذبحة بيترلو في 16 أغسطس عام 1819. وفي يونيو عام 1868 عُقد أول مؤتمر لاتحاد العمال في مانشستر، التي كانت مهداً لحزب العمال وحركة حق المرأة في التصويت.

ولأن أي تقدم في الصناعة له عيوبه ومزاياه؛ فقد كانت الثورة الصناعية سبباً في تلوث المناخ، الذي بدأ في المدينة مع إنشاء مصانع تعمل بالفحم، ثم انتشر في بقية دول العالم مع انتشار الصناعات والآلات، ولكن مع ذلك تبقى مانشستر رمزاً لثورة صناعية، غيّرت وجه العالم، وقد شهدت مبانيها الأثرية تطويراً، وارتفعت فيها الأبراج الشاهقة ذات الواجهات الزجاجية.